كتاب الانتقال الديمقراطي في تونس

وقوالبها، ظلت في أغلبها بعيدة عن المهنية، إلا من اســتثناءات قليلة. هنا نجد أنفســنا خارج المقاربة النسقية، حيث المنظومة الإعلامية لا تعكس شكل البيئة السياسية التي تشتغل ضمنها ولا تعبِِّر عنها، مثلما كانت عليه الحال مع منظومة ابن علي الاستبدادية. خلافا للمقاربة النسقية، تظل بقية النظريات قادرة على فهم الدور الذي لعبته المنظومة الإعلامية، وتفسير الممارسات الصحفية التي سادت خلال عشرية الانتقال الديمقراطي. - الممارسة الإعلامية في ضوء المقاربات النظرية لا تــكاد تخطئ عين المتابع لوســائل الإعلام زمــن الفترة الانتقالية مدى التطابــق بيــن اهتمامات الجمهــور وعناوين الأخبار في الصحف والنشــرات التليفزيونيــة والإذاعية. ولا يختلف الأمر بشــأن موضوعــات البرامج الحوارية التــي تعددت منابرها وتنوعت الوجوه المشــاركة فيها بتنوع مكونات الســاحة السياسية وتعدد اتجاهاتها. لقد نجح الإعلام في تحديد أجندة الجمهور، فكانت موضوعاتــه التي يصنع من خلالها تلــك الأجندة موزعة بين أخبار الإضرابات العمالية التي لا تكاد تخمد، واحتجاجات أصحاب الشــهادات العليا المعطلين عن العمل، وتوترات الساحة السياسية غير المستقرة، ومشاجرات نواب البرلمان وحرصهــم على زيادة رواتبهم بدلا من خدمة القضايا الوطنية، وارتفاع أســعار المواد الاستهلاكية مع تدهور القدرة الشرائية للمواطنين، وانقسام المجتمع حول قضايا الهوية والدين والانتماء. مثل هذه القضايا تمر يوميا أمام أعين الجمهور وتتكرر على أعمدة الصحف وشاشات التليفزيون، ويجري التركيز عليها في نقاشات حية ومباشرة يشارك فيها سياسيون وبرلمانيون ونقابيون وإعلاميون وخبراء ونشطاء في المجتمع المدني. بهذا المعنى، لعب الإعلام، خلال عشرية الانتقال الديمقراطي، دورا أساسيا في رسم خريطة النقاش العام ودفعه في اتجاهات محددة من خلال إبراز قضايا معينة والتركيز عليها وإدامة حضورها في الفضاء العام. وإذا كان الإعلام قد نجح في وظيفة تحديد الأجندة بفعالية ملحوظة وتناغم كبير بين قطاعاته المختلفة، الســمعية والبصريــة والمطبوعة، فقد نجح كذلك، . فمقابــل الاهتمام والإحضار حراســة البوابة وبنفس القدر، في اســتخدام آلية

140

Made with FlippingBook Online newsletter