كتاب الانتقال الديمقراطي في تونس

والتكــرار والتركيــز، كان التجاهــل والتهميش والتغييب. مــا يمكن ملاحظته بهذا الصدد، أن حراســة البوابة، أثناء مرحلة الانتقال الديمقراطي اســتُُخدمت بطريقة معدلة ومخففة وذكية، لدرجة أن الجميع كان يبدو حاضرا في المشــهد الإعلامي وأن لا شــيء من قضايا الشــأن العام كان يبدو خارج دائرة النقاش. ربمــا لم يكن في مصلحة من يديرون المؤسســات الإعلامية حراســة بوابات منابرها في وجه شــخصيات فاعلة ومؤثرة في مشــهد سياسي ديناميكي متجدد، خاصة إذا كانت تلك الشــخصيات تجلب لها جمهورا واســعا. لذلك حظيت أغلب الوجوه السياســية التي برزت خلال المرحلة الانتقالية بمساحات متفاوتة على تلك المنابر. وإذا كان ثمة منع أثََّر ســلبًًا في مســار الثورة، فهو بالتأكيد لا يتعلق بتغييب الشــخصيات السياســية، وإنما بتغييب أسماء لها وزنها في عوالم الفكر والثقافة والفن، كان يمكن أن تقلص من حجم التفاهة الممتدة وتســهم في تعميق الحوار وترشيد التجربة الديمقراطية، خاصة في بعدها الثقافي. هكذا جرى التعديل في آلية حراســة البوابة، بحيث لم تشــتغل في وجه الأشــخاص عموما، ولكنها استُُخدمت بذكاء وفعالية إزاء نوعية الأخبار التي ينبغي أن تُُبث وطبيعة القضايا التي ينبغي أن تناقََش. ونظرا لمســتوى الإشــباع الــذي بلغه المتلقــي بفضل الكــم الهائل من المحتــوى الإعلامي الذي يصله، والمرتبط بدوره بحالة الســيولة المتســارعة في الحياة السياســية والاجتماعية بعد الثورة، فقد كانت حراســة البوابة تُُمارََس بنعومة فائقة يصعب إدراكها. وكان التجاهل والتهميش والتغييب يستهدف قضايا بعينهــا، لاســيما تلك التي تقدم الثورة في صــورة إيجابية أو تلقي الضوء على سـَب للمرحلة الانتقاليــة أو لرموزها. تلك � منجــزات أو نجاحات يمكن أن تُُن الأخبار والقضايا هي التي كان يستهدفها المنع من التداول على منابر الإعلام، وإذا حضرت تحضر بصورة مجتزأة وتُُوضع في سياق تحقيري يحط من قيمتها ويسلبها الأهمية التي تستحقها. في هذا الســياق، غاب عن المشهد الإعلامي الجانب الآخر من الصورة. فلــم نر، على ســبيل المثال، حــوارات جريئة حول الآثار الســلبية لإضرابات النقابــات وتعطيل الإنتاج على الاقتصاد ومناخ الاســتثمار والأعمال. واختفى من منابر الإعلام الحديث عن الأرقام الحقيقية حول نســب النمو في السنوات

141

Made with FlippingBook Online newsletter