كتاب الانتقال الديمقراطي في تونس

الأولى للثورة، ومعدلات الزيادة في الأجور وأعداد الذين دخلوا ســوق العمل من معطلي العهد الســابق. وتحكمت الأيديولوجيا إلى حد كبير في مناقشــات ظاهــرة الإرهاب، فلم تتجرأ المنابر التي تناولتها على تفكيك أســبابها العميقة والمباشرة، وتعرية أهدافها وإستراتيجياتها، وكشف ارتباطاتها الداخلية والخارجية. وغاب التناول الموضوعي لنجاحات التجربة التونســية على المستوى السياسي فــي بيئتها العربية. ولم تنل المحطــات الانتخابية وما ارتبط بها " اســتثنائيتها " و من قيم سياســية كالحرية والتنافســية والانتظام والنزاهة والتداول السلمي على السلطة ما تستحقه من الاهتمام. في المقابل، عملت أغلب النقاشات الإعلامية على ترذيل قيم سياسية أخرى وشيطنتها، مثل الشراكة السياسية وتقاسم السلطة، . هكذا اشتغلت المنظومة " تقاسم للغنيمة " و " محاصصة " فوقع تصويرها على أنها الإعلامية في غالبها، فنجحت إلى حد كبير في تحديد أجندة النقاش العام خلال عشرية الانتقال الديمقراطي، وطبقت آلية حراسة البوابة بذكاء، معتمدة في ذلك على عدد من الأطر الإعلامية التي انتقتها وثبََّتتها ونسجت من خلالها سرديتها للمرحلة الانتقالية. مــن خلال مــا تقدم، يمكــن أن نلاحظ أن الآلــة الإعلامية تحركت، في عمومها، ضمن إطار رئيسي عام أثَّّثته على مدى السنوات العشر مجموعة أخرى من الأطر الجزئية، فنجحت في تثبيته وترسيخه في أذهان الجمهور. هذا الإطار العام، وُُضع له ســياق خاص تبدو فيه عشــرية الانتقال الديمقراطي في صورة ســلبية بالكامل، بل كارثية على جميع الأصعدة. فقد ســادها الفشل على صعيد الاقتصــاد، والتوتر على صعيد المجتمــع، والإرهاب على صعيد الأمن، وعدم " الكوارث " الاســتقرار على صعيد السياسة. وبطبيعة الحال، يقع ربط كل تلك بقيادات المرحلة الانتقالية من رموز الثورة والسياسيين بدءا برئيس الدولة، مرورا بوزراء الحكومات المتعاقبة وأعضاء البرلمان، وانتهاء بالأحزاب السياســية التي تداولت على الحكم أو شاركت فيه. إن من شأن هذا الإطار العام والصورة التي يسعى لتثبيتها، أن يوقعا لدى المتلقي أثرين معرفيين ونفسيين وسلوكيين أحدهما يدعوه للحنين إلى الماضي واســتعادة الوضع الذي سبق الثورة، والثاني يدعوه للتطلع إلى المســتقبل والتخلص من المسار الانتقالي ومن كل ما يرمز إليه من أشخاص ومؤسسات، وطي صفحته جملة وتفصيلا.

142

Made with FlippingBook Online newsletter