كتاب الانتقال الديمقراطي في تونس

النظــام القديم، أو بالتوجهات الفكرية والسياســية لنخــب الحزبين. ورغم أن تشكيل حزب نداء تونس كان مبعثه الأساسي إزاحة النهضة من الحكم والحلول محلها، فقد توافق الطرفان على الدخول في تحالف لتقاســم الســلطة والحكم في إطار شــراكة سياســية. وكان يمكن لتلك الشراكة أن تستمر وتتعم ََّق، ولكن إدارتها بطريقة فوقية بين زعيمي الحزبين دون تنزيلها إلى مستوى النخب الفاعلة والمؤثرة جعلها تتعثر، خاصة مع التصدعات الداخلية بين النخب الندائية، التي أدت إلى انشــقاقات متتالية وتســببت في فقدان الحزب كتلتــه النيابية الواحدة وقاعدته السياسية والاجتماعية. ، التي أفرزت مشهدا 2019 استمرت تجربة التوافق السياسي بعد انتخابات سياسيا يكاد يكون مختلفا كليا عن المشهد الذي سبقه. وكانت تلك الانتخابات بشقيها، التشريعي والرئاسي، فرصة أخرى لتعزيز فكرة التداول على السلطة بكل مستوياتها المركزية والجهوية والمحلية. ولكن علاقات النخبة فيما بينها شهدت منعرجا خطيرا خلال الانتخابات وبعدها. فعاد الانقســام وتحكمت الحســابات الشــخصية والحزبية والأيديولوجية في السلوك السياسي لأغلب الفاعلين. وقد تجلى ذلك الانقسام في تشتت النخبة بكل مكوناتها واتجاهاتها في الانتخابات الرئاســية، فعجــزت عن التوافــق حتى داخل العائلات السياســية الكبرى على مرشحين ينالون دعمها وتوفر لهم الحد الأدنى من شروط المنافسة الجادة. فالإسلاميون ترشــح منهم رئيس ائتلاف الكرامة، ســيف الدين مخلوف، والقيادي في حركة النهضة، عبد الفتاح مورو، والقيادي السابق في الحزب نفسه، حمادي الجبالي. واليسار ترشح منه القياديان في الجبهة الشعبية، حمة الهمامي ومنجي الرحوي، ورئيس حركة تونس إلى الأمام، عبيد البريكي، ورئيس حزب مشــروع تونس، محسن مرزوق. والدستوريون ترشح منهم الوزير السابق، عبد الكريم الزبيدي، وزعيمة الحزب الدستوري الحر، عبير موسي. والقوميون ترشح منهم الصافي سعيد. نفس الانقسام والتشتت سنجده قائما إذا غيرنا زاوية النظر ونظرنا إلى المترشحين باعتبار تمثيليتهم للثورة من جهة وللنظام القديم من جهة أخرى. فتعدد الترشحات والتنافس بين نخب المعسكر الواحد بارز في الجهتين. لذلك لا غرابة أن يفشــل هؤلاء جميعــا في تخطي الدور الأول بعد حصولهم على نسب ضئيلة من أصوات الناخبين.

75

Made with FlippingBook Online newsletter