كتاب الانتقال الديمقراطي في تونس

حتــى ما بــدا توافقا بين نخبة الثورة في الــدور الثاني على انتخاب قيس سعيِِّد لم يكن في الحقيقة سوى لقاء الضرورة تحت ضغط الصورة المنفِِّرة التي رُُسمت بدقة عالية لمنافسه، نبيل القروي، اجتمعت فيها ثلاثة ارتباطات خطيرة، الارتباط بالفســاد والارتباط بالنظــام القديم والارتباط بالصهيونية. مقابل ذلك، جمعت الصورة التي رُُســمت لســعيِِّد بين نظافة اليد ومناصرة الثورة والمستوى العلمــي المتقدم. كان هذا التقابل الظاهري بيــن الصورتين كافيا لانحياز نخبة الثــورة وجمهورهــا إلى جانب الأخير، دون أن تدرك خطورة ذلك الانحياز إلا فــي وقت متأخر. فانضاف الرهان الخاطئ في الدور الثاني من الانتخابات إلى الانقســام والتشتت في دورها الأول، لتنفســح الطريق أمام الانقلاب بمساعدة وتواطؤ ضمني وموضوعي بين نخب الثورة والديمقراطية ذاتها. تجلــت تلك الرهانات وتلك الحســابات الخاطئة أيضــا بعد الانتخابات، وذلك في العجز عن التوافق على تشكيل حكومة مستقرة بين القوى المحسوبة علــى الثــورة، خاصة بعد نيلهــا مجتمعة أغلبية مريحة تمك ِِّنهــا من ذلك. فقد كان بإمــكان أحزاب حركة النهضة والتيار الديمقراطي وائتلاف الكرامة وحركة مقعدا في البرلمان، إضافة إلى بعض 112 الشــعب، التي حصلت مجتمعة على الكتل القريبة منها فكريا وسياسيا، أن تشكل حكومة ائتلافية منسجمة، ذات قاعدة سياســية واســعة قادرة على إنجاز ما فشــلت فيه الحكومات السابقة. ولكن ما حصــل هــو العكس، فكانت التوافقات صعبة وهشــة ولم تدم طويلا، وتغيرت التحالفات بسرعة في اتجاهات متناقضة ومناقضة لروح الثورة وأهدافها ولمسار الانتقال الديمقراطي ذاته. دليلا على 2019 لقد كان سلوك النخبة خلال المرحلة التي تلت انتخابات أنها لم تصل بعد إلى مســتوى النضج الذي يمك ِِّنها من الحفاظ على مكتسبات المراحل السابقة، رغم الصعوبات التي مرََّت بها والأزمات التي واجهتها. وبدلا من البناء على تلك المكتســبات وتوســيع نطاقها إلى مجالات أخرى، أجهزت عليها وتوافقت ضمنيا على الفشــل الجماعي، بانتهاج سياسة الإعاقة المتبادلة. فتحالف الكل ضد الكل وأُُســقطت في ظل تلك التحالفات المتغيرة بســرعة ، قبل أن ترى النور، ثم أُُســقطت 2020 حكومة النهضة، في يناير/كانون الثاني حكومــة الفخفاخ بانهيار الائتلاف الداعم لها في يوليو/تموز من نفس الســنة،

76

Made with FlippingBook Online newsletter