كتاب الانتقال الديمقراطي في تونس

- أنتجت هذه المظالم وما قابلها من صمود تعاطفا شــعبيا واسعا وإدراكا متناميــا لحجــم المظلومية التي تعرضت لها الحركة. ومع مرور الوقت، انقلبت سياســات الوصم والعزل الاجتماعي التي اتبعها النظام إلى شــعور متزايد لدى عموم الناس بالمسؤولية الاجتماعية تجاه الضحايا؛ ما خفََّف بالتدريج من شدة معاناتهم وعزز الحاضنة الشعبية للحركة. وقد لعبت هذه الحاضنة دورا أساسيا في ترجيح كفة الإسلاميين بعد الثورة بالالتفاف حولهم وتمكينهم من الفوز في الانتخابات المتعاقبة. - الحفاظ على وحدة الحركة تنظيما وقيادة ومؤسســات، رغم التحديات التــي واجهتهــا طيلة عقدين في بيئــات تختلف اختلافا جذريــا بين الدواخل والســجون والمهاجــر. ورغم بعــض الخلافات التي دبت بين قياداتها، ســواء في الداخل أم في الخارج، خاصة في الســنوات الأخيرة بشــأن المصالحة مع النظام، خرجت النهضة من هذه المحنة موحدة الصفوف ولم يصبها ما أصاب حركات وتيارات سياسية أخرى من تصدعات وانشقاقات. ولم تنجح محاولات الاختراق والاستمالة وسياسات توظيف البعض ضد البعض في تفكيك الحركة أو تهديد وحدتها. وكان لرمزية قيادتها التاريخية المتمثلة في راشــد الغنوشــي، وبقائه خارج الســجن وقدرته على التنقل والنشاط واللقاء بمناضلي الحركة في عدد من الدول دور أساسي في الحفاظ على وحدتها. - انتشار جغرافي واسع وغير مسبوق شمل مختلف أنحاء العالم، فقد توز ََّع أبناء الحركة الذين تمكنوا من مغادرة البلاد في بداية التســعينات، عبر مختلف الطرق، على عشــرات البلدان في أوروبا وأميركا وإفريقيا وآســيا واستقروا بها. وقد مك َّّنهم استقرارهم في تلك البلدان من نسج علاقات دولية واسعة ومتنوعة، استفادت منها الحركة في حينها دعما سياسيا وقانونيا وإعلاميا وماليا. ومع مرور الوقــت، امتدت تلك العلاقات في الأوســاط الإعلامية والأكاديمية والحكومية والبرلمانية وفي منظمات المجتمع المدني، إضافة إلى شــبكة من الشــخصيات السياســية والعلميــة والدينية المؤثرة. وبعد الثورة، حاولت الحركة الاســتفادة بأشكال مختلفة من علاقاتها الخارجية، سواء منها الغربية أو العربية الإسلامية، لكن تلك الاستفادة كانت نسبية.

90

Made with FlippingBook Online newsletter