كتاب الانتقال الديمقراطي في تونس

بدل الصعود المتدرج ســببه عقود من الحكم الاســتبدادي الذي حرم كثيرا من التونســيين من الانخراط في العمل العام واختبار المشــاركة السياسية وتكوين القيادات لإدارة مؤسســات الدولة من خارج دوائر الحزب الواحد، الذي انفرد . لذلك، نزلــت النهضة والأحزاب 1956 بالســلطة منذ الاســتقلال في العــام التــي تحالفــت معها فــي الحكم بعد الثورة إلى الســلطة، ولم تصعد إليها من بيروقراطية الدولة أو تتدرج في مؤسســات الحكــم المحلي والجهوي قبل أن تتولى مســؤوليات الدولة العليا. فصاحب الســلطة الواصل إليها بهذه الطريقة، مهما كان تحصيله العلمي وتاريخه النضالي وكفاءته في إدارة حزبه، يظل فاقدا للتجربة، عديم الخبرة، قليل الدربة، ناقص المعرفة بشــؤون الحكم وأســاليب إدارته. وإطلاق الحكم هنا لا ينفي وجود الاستثناء، ولكنه استثناء يؤكد القاعدة ولا ينفيها. فقد نجح بعض كوادر النهضة في أداء أعمالهم وتحمل مسؤولياتهم، سواء في البلديات أو الولايات أو الوزارات. ولكن تلك النجاحات تظل فردية لا تعكس حقيقة الأداء الجماعي للحزب. بناء على كيفية وصولهم للسلطة، واستفادة من الحصيلة التي عادوا بها إلى النشــاط السياسي بعد سنوات المحنة، يمكن تحليل أداء الإسلاميين في الحكم وتفسير إنجازاتهم وإخفاقاتهم في عدد من النقاط نستعرضها فيما يلي. . شعبية واسعة أمام اختبار الحكم 3 عادت النهضة إلى الســاحة السياسية بشــعبية واسعة أثبتتها أول انتخابات ،) 2011 جرت بعد الثورة (انتخابات المجلس التأسيسي في أكتوبر/تشرين الأول ، لتحتل بذلك المرتبة الأولى كأكبر 2017 مقعدا من جملة 89 التي فازت فيها بـ حزب سياســي. تجلت تلك الشعبية في تحركات الإسلاميين الميدانية، احتفالا واحتجاجــا وأثناء المهرجانات الخطابية خلال الحملات الانتخابية التي تمكنوا فيها من الوصول إلى كامل تراب الجمهورية ورشــحوا نوابهم في كل الدوائر الانتخابية، خلافا لبقية الأحزاب المنافســة. وبعــد الانتخابات، عقدت الحركة شــراكة سياسية مع حزبين آخرين، تقاســمت معهما السلطة، واحتفظت لنفسها بنحو نصف الحقائب الوزارية، مستفيدة من تلك الشعبية ومن وزنها الانتخابي. لكن تلك الشــعبية الظاهرة كانت تخفي هشاشــة متعددة الجوانب كشفتها

92

Made with FlippingBook Online newsletter