| 26
السؤال يتجاوز كيفية بناء الدولة إلى كيفية توظيف ما راكمته من موارد وعلاقات في توسيع حضورها الخارجي. ومن هنا تبدأ الحلقة التالية في التحول القطري: الانتقال من محدودية الجغرافيا إلى صناعة المكانة والنفوذ. ثالثًًا: صناعة المكانة والنفوذ ، نقطة تحول في موقع 1995 مثََّل تولي الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني الحكم، عام قطــر الإقليمي والدولي؛ إذ انتقلت سياســتها الخارجية تدريجيًًّا من نمط يركز على ا ومبادرة، حماية الدولة الصغيرة والتكيف مع بيئتها الإقليمية إلى سياسة أكثر استقلالًا تســعى إلى توســيع هامش الحركة وبناء مكانة تتجاوز المحددات التقليدية للحجم الجغرافي والســكاني. وقد ارتبط هذا التحول بإدراك حساســية موقع قطر في بيئة إقليمية تتســم باختلالات القوة، وبأن ضمان أمن الدولة واســتقلال قرارها يتطلبان أكثــر من امتلاك الموارد الاقتصادية أو الاهتمام بالترتيبات الأمنية التقليدية؛ أي بناء شــبكة من العلاقات والمصالح والأدوار تجعل قطر حاضرة في حســابات الفاعلين ا ًا الإقليميين والدوليين، أي بعبارة أخرى، عملت قطر على إعادة تموضع يجعلها فاعل ديناميكيًًّا على المستويين، الإقليمي والدولي. وقد استلزم هذا التحول إعادة تعريف مصادر القوة وكيفية اكتسابها. فقد توسعت قطر في شبكة علاقاتها الخارجية، واحتفظت بقنوات اتصال مع أطراف متعددة. وبذلك لم تعد محدودية الجغرافيا حد ًًّا نهائيًًّا لدورها الخارجي بعدما سعت القيادة إلى تعويضه بالمبادرة، وكثافة الحضور، وتعدد الشراكات، والقدرة على الوصول إلى دوائر سياسية مختلفة. وكان للقيادة السياســية دور مركزي في دفع هذا التحول. فالسياسة الخارجية خلال تلك المرحلة ارتبطت بصورة وثيقة بتصورات الشــيخ حمد بن خليفة وطموحه إلى توسيع موقع قطر، وبالنشاط الدبلوماسي المكثف الذي أثمر عن توسيع العلاقات مع دول إفريقيا وآســيا وأميركا اللاتينية، بالتوازي مع تعميقها مع الدول العربية وأوروبا والولايات المتحدة. وقد وفرت هذه الشــبكة الواســعة من العلاقات للدولة هامشًًا للحركة بين قوى ومصالح متعارضة، في وقت أكدت فيه السياســة الرســمية مبادئ التعايش السلمي، والتعاون الدولي القائم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية، وتعزيز العلاقات الإقليمية.
Made with FlippingBook Online newsletter