لباب-العدد 32

49 |

الإيرانية بوصفها مركزًًا طبيعيًّّا لمحيط واسع. الهضبة الإيرانية مساحة مرتفعة محاطة ا)، وهذا التكوين منحها عمقًًا دفاعيًّّا بسلاســل جبلية (زاغروس غربًًا، البرز شــمالًا يـ ّا تاريخيًّّا، لكنه فــي المقابل جعلها مفتوحة على خمس بيئات إقليمية مختلفة � داخل فــي وقت واحد: الخليج جنوبًًا، والعراق والمشــرق غربًًا، والقوقاز شــمال غرب، ا ، وأفغانستان وباكستان شــرقًًا. لا توجد دولة إقليمية أخرى وآســيا الوسطى شــمالًا تتقاطع حدودها مع هذا العدد من البيئات الجيوسياسية المتباينة، وهو ما يجعل من الصعب على أي حكومة في طهران -أيًّّا كانت طبيعتها الأيديولوجية- أن ترى أمنها القومــي محصورًًا داخل خط حدودي واحد. كل اضطراب في العراق، وكل تحول في الخليج، وكل تغير في القوقاز أو آســيا الوســطى، ينعكس على إدراكها لمكانتها ومجالها الحيوي. الذاكرة التاريخية أضافت طبقة تفسيرية فوق هذه الحقيقة الجغرافية: الإمبراطوريات الفارســية المتعاقبــة -الأخمينية والصفوية والقاجارية- أس ََّســت تصورًًا ذاتيًّّا لإيران بوصفها مركزًًا حضاريًّّا لا دولة إقليمية عادية، بينما شــك ََّل انكماش النفوذ الإيراني في القرن التاســع عشــر أمام القوى الاستعمارية صدمة تأسيسية ثانية. أعادت الثورة ، صياغة هذا الإرث بلغة دينية وأيديولوجية. الدولة التي ورثت 1979 الإسلامية، عام ذاكرة الإمبراطورية الفارسية تبنََّت خطاب المستضعفين، والمقاومة، وتصدير الثورة، ) فقد أنتجت 1988 - 1980 وحماية الجماعات الشيعية. أما الحرب العراقية-الإيرانية ( الصدمة التكوينية الأحدث والأكثر تأثيرًًا على العقيدة الأمنية الراهنة: ثماني سنوات من القتال داخل الأراضي الإيرانية، مع غياب أي دعم إقليمي أو دولي فع ََّال لطهران، رس ََّخت قناعة لدى صانع القرار بأن الدفاع عند خط الحدود متأخر جد ًّّا، وأن الأمن يجب أن يُُدار بعيدًًا عن العمق الإيراني نفسه. من هذه الصدمة تحديدًًا نشأت عقيدة التي شك ََّلت لاحقًًا الأساس المنطقي لمحور المقاومة: بناء طبقات " الدفاع الأمامي " ردع خــارج الحدود تمتــص الصدمة الأولى قبل أن تصل إلى الداخل الإيراني، مع منطــق مزدوج هجومي-دفاعي يجمع بين توســيع النفوذ الإقليمي وتعويض الفارق .) 13 التقليدي في القوة العسكرية مقابل إسرائيل والولايات المتحدة( ومن هنا نشــأ نموذج توســع خاص بإيران: توســع لا يحتاج دائمًًا إلى ضم أراض ٍٍ، ا مباشــرًًا، وإنما يبني طبقات نفوذ داخل دول أخرى. العراق ولا يعلن نفســه احتلالًا

Made with FlippingBook Online newsletter