| 14
تهدف إلى إعادة تشــكيل وعي الخصم وتفكيك بنيته الداخلية دون مواجهة مباشرة، الذي تتلاشى فيه الحدود بين السلم " اللا يقين الإستراتيجي " بما يفضي إلى نمط من .) 1 والحرب، ويغدو فيه الإنسان ذاته موضوعًًا للصراع لا أداة له( بوصفهــا التعبير الأكثر تطرفًًا عن " حروب الجيل الخامس " فــي هذا الســياق، تبرز هــذا التحول؛ إذ لا تقوم على التدمير المادي المباشــر بقــدر ما تقوم على تفكيك البنى الإدراكية، وإعادة هندسة الوعي، والتحكم في أنماط السلوك الجماعي، وتوجيه الإدراك السياسي عبر أدوات رقمية قائمة على البيانات الضخمة، والذكاء الاصطناعي، والخوارزميات التنبؤية. وهي بذلك لا تستهدف الجسد قبل أن تستهدف العقل، ولا تحتل الأرض قبل أن تحتل الفضاء السيبراني والرمزي. التي تفك ِِّك مركزية " ما بعد الإنسانية " ويتقاطع هذا النمط من الصراع مع أطروحات الإنسان في الفلسفة الحديثة، وتعيد تعريف الفاعلية بوصفها نتاجًًا شبكيًّّا موزعًًا بين البشــر، والآلات، والخوارزميات، والبنى التقنية. فالحرب في عصر ما بعد الإنسانية ا إنسانيًّّا صرفًًا بل عملية هجينة تشترك فيها الكيانات البيولوجية والرقمية لم تعد فعلًا في إنتاج القرار، وتنفيذه، وتوجيه نتائجه. ومن ثم، فإن تحليل حروب الجيل الخامس ا تقنيًّّا قاصرًًا، عاجزًًا عن دون مساءلة الأساس الفلسفي لما بعد الإنسانية يظل تحليلًا إدراك التحول العميق في بنية الفاعلية ذاتها. تنبــع أهمية هذه الدراســة من كونها تتجــاوز المقاربات الوصفيــة لحروب الجيل الخامــس، والتي تكتفــي بتعداد أدواتها وتقنياتها، إلى مقاربــة تحليلية نقدية تفك ِِّك الأسس الفلسفية والمعرفية التي تجعل هذا النمط من الصراع ممكنًًا. فالقيمة العلمية للدراسة لا تكمن في وصف الأدوات، بل في تفكيك المنطق الذي يحكم اشتغالها، وفي تحليل التحول من فاعلية إنسانية سيادية إلى فاعلية خوارزمية موزعة. كما تكتسب الدراسة أهميتها من إسهامها في ربط حقل الدراسات الأمنية والعسكرية بحقول فلســفية معاصرة، وفي مقدمتها فلســفة ما بعد الإنســانية، وفلســفة التقنية، ونظريات الفاعلية غير البشــرية. فهذا الربــط لا يزال ضعيف الحضور في الأدبيات العربية بل وحتى في جزء معتبر من الأدبيات العالمية التي تتعامل مع حروب الجيل الخامس بوصفها ظاهرة تقنية أو إســتراتيجية، دون مســاءلة الأســاس الأنطولوجي والمعرفي الذي أعاد تعريف الحرب ذاتها.
Made with FlippingBook Online newsletter