العدد 30

17 |

داخل منظومة الفعل التاريخي، وتحول معرفي في معنى القرار، وتحول سياسي في بنية السلطة ذاتها. المبحث الأول التحول الفلسفي في بنية الفاعلية من الإنسان السيادي إلى الكيان الهجين لا يمكــن تفكيــك بنية الصراع المعاصر، ولا إدراك منطق اشــتغاله الخفي، إلا عبر مســاءلة الأســاس الفلســفي الذي حكم تصور الفاعلية في الفكر الحديث، والذي تشــك ََّل حول مركزية الإنســان بوصفه ذاتًًا عاقلة، ســيدة على فعلها، ومتحكمة في قرارهــا، وقــادرة على توجيه التاريخ مــن خلال إرادة واعية ومقصودة. هذا التصور لم يكن مجرد افتراض فلســفي مجرد، بل تحول إلى بنية معرفية مهيمنة انعكســت في النظرية السياســية، وفي الفلســفة الأخلاقية، وفي الفكــر القانوني، وفي النظرية العسكرية، حيث تم بناء مفهوم السيادة، والدولة، والحرب، والقرار، على أساس أن ا في الدولة أو القائد أو النخبة السياسية. الفاعل المركزي هو الإنسان، ممثلًا " جوهر التفكير " لقــد بلور رينيه ديكارت هذا التصور حين أســس للــذات بوصفها ،) 2 القادر على إنتاج اليقين من داخله، وجعل من العقل أســاس كل فعل ومعرفة( ثم جاء إيمانويل كانط ليجعل الذات العاقلة شرط إمكان التجربة والمعرفة، ويمنحها ). وتََوََّج هيغل هذا المســار حين جعل 3 موقعًًا تأسيســيًّّا في بناء العالم الظاهراتي ( التاريخ ذاته مســرحًًا لتجلي العقل عبر أفعال البشــر والدول، بحيث يغدو الصراع )، وقد انعكس هذا 4 والحــرب لحظات في مســار العقل الكوني نحو وعي ذاتــه ( التصور بوضوح في النظرية العسكرية الكلاسيكية، ولاسيما عند كارل فون كلاوزفيتز، ا سياديًّّا صادرًًا الذي جعل الحرب امتدادًًا مباشــرًًا للإرادة السياســية الواعية، أي فعلًا .) 5 عن عقل الدولة وإرادتها( س ـ َت الفكر الغربي � غيــر أن هذا البنــاء المفهومي بدأ يتصدع مع تحولات عميقة م منذ أواخر القرن التاسع عشر، حين بدأ الشك يتسرب إلى فكرة الذات السيدة على نفســها، فقد كشــف نيتشه أن ما يسمى بالإرادة الحرة ليس سوى بناء أخلاقي يخفي صراعــات قوى لا واعية، وأن الفعل الإنســاني تحكمه إرادات قوة لا يعيها الفاعل )، ثم جاء فرويد ليؤكد أن قسمًًا كبيرًًا من السلوك الإنساني محكوم ببنى لا 6 نفسه (

Made with FlippingBook Online newsletter