العدد 30

19 |

). هذا التصور بلغ ذروته 11 الصراع والحرب لحظات في مسار الوعي الذاتي للعقل( في الفلســفة السياسية الحديثة التي ربطت الســيادة بالإرادة العامة، وربطت الحرب بإرادة الدولة. غير أن هذا النموذج بدأ يتآكل مع التحولات النقدية التي مس ََّت مفهوم الذات، فقد ليس سوى افتراض لغوي وأخلاقي يخفي ديناميات القوة، " الفاعل " كشف نيتشه أن )، ثم جاء فرويد ليبيِِّن أن الذات ليست سيدة 12 وأن الفعل يسبق الفاعل لا العكس ( ). ومع البنيوية، 13 في بيتها، وأن اللاشعور يوجه جزءًًا كبيرًًا من السلوك دون وعي ( تحولــت اللغة والبنى الرمزية والمؤسســات إلى فواعــل خفية تنتج الذوات بدل أن تنتجها الذوات. في هذا السياق، يرى فوكو أن الفاعلية ليست ملكية ذاتية بل وظيفة تنتج داخل أنساق السلطة والمعرفة. فالفاعل لا يوجد خارج الشبكة الخطابية والمؤسساتية التي تحدد داخل أي " بل: " من يفعل؟ " ). ولذلك، فإن السؤال ليس: 14 ما يمكن قوله وفعله ( . هذا التحليل ينســف فكرة " نظام من القواعد والخطابات يصبح هذا الفعل ممكنًًا؟ القرار السيادي الخالص ويفتح المجال لفهم الفعل بوصفه نتيجة تموضع داخل شبكة من القوى. أما برونو لاتور، فقد رفض أن تُُنســب الأفعال حصرًًا إلى البشــر معتبرًًا أن كل فعل تشــمل البشر والأدوات والأنظمة والرموز " الفاعلين " اجتماعي هو نتاج شــبكة من ). ففــي تصــوره، الفعل لا يمكن عزوه إلى كيان واحد، لأن كل فعل هو نتيجة 15 ( سلسلة من الترجمات والتوسطات بين عناصر متعددة. هــذا التحول النظري يعني أن الانتقال إلــى عصر الخوارزميات لا يمثل قطيعة، بل يمثل تتويج ًًا لمسار طويل من تفكيك مركزية الإنسان. فالخوارزمية ليست دخيلة على مفهــوم الفاعليــة بل هي التعبير الأقصى عن منطق توزيع الفعل بين كيانات متعددة. وحين يصبح القرار نتاج تفاعل بين بشر وأنظمة بيانات ونماذج تنبؤية فإن السؤال لم يعد: من اتخذ القرار؟ بل: كيف تََشََك ََّل القرار داخل شبكة من الفاعلين؟ وعليــه، فــإن هذا التحول ينقلنا من منطق الســيادة إلى منطــق التوزع، ومن مفهوم المسؤولية الفردية إلى مفهوم المسؤولية الشبكية الملتبسة؛ حيث يتعذر تحديد موضع

Made with FlippingBook Online newsletter