العدد 30

| 20

القــرار بدقة، ويتحــول الفعل إلى نتيجة تركيبية لا يمكن ردها إلى فاعل واحد دون تعسف معرفي. . التقنية بوصفها شريكًًا أنطولوجيًّّا في إنتاج الفعل 2 لم تعد التقنية في الفكر المعاصر تُُفهم بوصفها مجرد أداة في يد الإنسان، بل بوصفها عنصرًًا مكونًًا لبنية الوجود الإنســاني ذاتــه. فقد بيََّن مارتن هايدغر أن جوهر التقنية ليس تقنيًّّا بل هو نمط في كشــف الوجود؛ حيث تجعل التقنية العالم يظهر بوصفه .) 16 ا للتوظيف والسيطرة ( قابل ًا " مخزون ًًا " ويرى جاك إيلول أن التقنية تتحول من وسيلة إلى غاية وأنها تفرض منطقها الخاص علــى المجتمع والسياســة والأخلاق، بحيث يعاد تنظيم الفعل الإنســاني كله وفق .) 17 مقتضيات الكفاءة التقنية لا وفق القيم الإنسانية التقليدية ( أما في فلســفات ما بعد الإنســانية، كما عند دونا هاراواي، فإن الحدود بين الإنسان والآلة والطبيعة تصبح حدودًًا وهمية. فالإنســان المعاصر كيان هجين يتكون وجوده .) 18 عبر تداخل بيولوجي وتقني وثقافي ( وفي الســياق ذاته، يذهب برنارد ســتيغلر إلى أن التقنية تعيد تشكيل الذاكرة والزمان والقرار لأنها تتدخل في آليات التذكر والتوقع والتخطيط، وبذلك تشــارك في إنتاج .) 19 شروط الفعل ذاته ( في المجال السياسي والعسكري، يعني ذلك أن أنظمة تحليل البيانات والخوارزميات التنبؤية وأنظمة دعم القرار لا تكتفي بتقديم معلومات بل تشــارك في تشــكيل الأفق ، " ا حل ًّا " ، وما يظهر بوصفه " مشكلة " الذي يُُتخذ فيه القرار. فهي تحدد ما يظهر بوصفه وما يستحق الاهتمام وما يمكن تجاهله. وبالتالي، يمكن القول: إن أخطر ما في هذا التحول هو أنه يُُنتج وهمًًا جديدًًا بالحياد؛ إذ تُُقــد ََّم الخوارزميــات بوصفها أدوات موضوعية في حين أنها مشــبعة بافتراضات مصم ِِّميها، وبمصالح الجهات التي تتحكم في بياناتها، وبمنطق السيطرة الذي يحكم اســتخدامها. ومن ثم، فإن الفاعلية الخوارزمية ليســت خروج ًًا من الأيديولوجيا بل إعادة إنتاج لها في صورة تقنية أقل قابلية للمساءلة وأكثر قدرة على التخفي.

Made with FlippingBook Online newsletter