21 |
إن تفكك مركزية الإنســان وصعود التقنية شــريكًًا أنطولوجيًًّا في إنتاج الفعل يضع الأساس الفلسفي لفهم حروب الجيل الخامس بوصفها حروبًًا ما بعد إنسانية؛ حيث لا يكون الإنسان فيها الفاعل الوحيد ولا حتى الفاعل المركزي بل أحد عُُقََد شبكة معقدة تُُنتج الصراع وتديره وتعيد تشكيل نتائجه. ثانيًًا: ما بعد الإنسانية بوصفها إطار ًًا تفسيريًّّا لتحولات الصراع . الحرب حدثًًا ما بعد إنساني: من الفاعل السيادي إلى الشبكة الهجينة 1 إذا كانت الفلســفة الحديثة قد ربطت الحرب بإرادة إنســانية واعية تتجسد في سيادة الدولــة، فإن تحولات العقــود الأخيرة أفرزت نموذج ًًا مغايرًًا لا يمكن فهمه إلا في ضوء أطروحات ما بعد الإنســانية، التي تنزع المركزية عن الإنســان، وتعيد تعريف الفاعلية بوصفها نتاجًًا شــبكيًّّا موزعًًا بين البشــر والآلات والبنى الرقمية والأنظمة ا إنســانيًّّا خالص ًًا بل حدثًًا هجينًًا الخوارزميــة. ففــي هذا الأفق، لا تعود الحرب فعلًا تشترك في إنتاجه كيانات متعددة المستويات، بشرية وغير بشرية، مادية ورقمية، واعية ولا واعية. )* بالمعنى Cyborg ( " سايبورغ " ترى دونا هاراواي أن الكائن الإنساني المعاصر هو الأنطولوجــي، أي كيان يتكون وجوده عبر تداخل بيولوجي وتقني وثقافي، وأن هذا التداخل ينســف أي تصور جوهري للإنســان بوصفه ذاتًًا مســتقلة عن بنيته التقنية ). وإذا كان هذا صحيحًًا على مســتوى الوجود الفردي فإنه يصبح أكثر جذرية 20 ( على مستوى الفعل السياسي والعسكري؛ حيث تتشابك الإرادات البشرية مع أنظمة الاستشعار وتحليل البيانات والمحاكاة الرقمية والخوارزميات التنبؤية في إنتاج القرار وفي تنفيذ نتائجه. في هذا الســياق، يؤكد نِِك بوســتروم أن صعود الأنظمة الذكية لا يغيِِّر فقط أدوات الفعل بل يعيد تشــكيل طبيعة الفاعل ذاته، لأن الإنســان لم يعد الفاعل الوحيد بل أحد مكونات منظومة فاعلية أوســع تشــترك فيها أنظمة غير بشــرية ذات قدرة على ). هذا التحليل يعني أن الحرب لم تعد نتاج إرادة سياسية بشرية 21 التعلم والتكيف ( فحسب بل نتيجة تفاعل معقد بين إرادات بشرية ونماذج خوارزمية وأنظمة معلوماتية تعيد ترتيب الأولويات وتحدد أنماط الاستجابة الممكنة.
Made with FlippingBook Online newsletter