العدد 30

| 24

في عصر الفاعلية الإنسانية المركزية، على واقع تحكمه الفاعلية الخوارزمية الموزعة لا يؤدي إلا إلى عجز تحليلي، وإلى فراغ معياري يتيح للتقنية أن تمارس ســلطتها دون مساءلة حقيقية. المبحث الثاني حروب الجيل الخامس والفاعلية الخوارزمية في إعادة هندسة الصراع إذا كان المبحث الأول قد اشــتغل على تفكيك الأســاس الفلســفي لتحول الفاعلية من مركزيتها الإنســانية إلى صيغتهــا الموزعة والهجينة، فإن هذا المبحث ينتقل من المســتوى الأنطولوجي-الإبستمولوجي إلى المســتوى الإستراتيجي-السياسي، بغية تحليل الكيفية التي تتجسد بها هذه الفاعلية الخوارزمية داخل أنماط الصراع المعاصر، ، فهذه " حروب الجيل الخامس " وبصورة مخصوصة داخل ما اصطلح على تسميته بـ الحــروب لا تمثــل مجرد مرحلة تقنية لاحقة في تطور وســائل القتال، بل تعبِِّر عن انقلاب في منطق الحرب ذاته، من الحرب بوصفها مواجهة مادية مباشــرة بين قوى عســكرية متقابلة إلى الحرب بوصفها عملية معقدة لإعادة تشــكيل الإدراك وضبط السلوك وهندسة الفضاء الرمزي والسيبراني عبر أدوات خوارزمية قادرة على التدخل في البنية العميقة للوعي الفردي والجماعي. إن انتقــال الصــراع من ميــدان الجغرافيا إلى فضــاء الإدراك لا يعني اختفاء العنف المادي بل يعني إعادة ترتيبه داخل بنية أوسع يكون فيها العنف الفيزيائي مجرد لحظة من لحظات صراع إدراكي-خوارزمي أســبق وأعمق. فالقصف العســكري لا تكون غايته التدمير فقط بل إنتاج معنى سياســي وإعلامي ونفســي؛ والعمليات الســيبرانية لا تستهدف البنية التحتية التقنية فحسب بل الثقة العامة والاستقرار الإدراكي وقابلية المجتمع لإعادة تأويل ذاته. وتبعًًا لذلك، فإن تحليل حروب الجيل الخامس يقتضي تجاوز الأدبيات التي تحصرها في قائمة من الأدوات (الإعلام الرقمي، وسائل التواصل، الحرب السيبرانية، الذكاء الاصطناعي)، إلى مســاءلة المنطق الذي يحكم اشتغال هذه الأدوات بوصفها تعبيرًًا عن فاعلية خوارزمية تتدخل في تشكيل الواقع الاجتماعي والسياسي ذاته. ومن هنا، يشــتغل هذا المبحث على تفكيك التحول من الحرب المادية إلى الحرب الإدراكية

Made with FlippingBook Online newsletter