العدد 30

| 270

تتقاطع هذه الرؤية مع تحولات أوســع تشــمل تراجع العولمــة الليبرالية، وتصاعد النزعات الحمائية، وعودة الدولة، وانتقال التنافس إلى مجالات التكنولوجيا وسلاسل التوريــد والســيطرة على المعرفــة. ويبرز النموذج الصيني بوصفــه حالة تجمع بين الانخــراط فــي الاقتصاد العالمي والحفاظ على مركزية سياســية؛ ما يجعلها عصيََّة على الأطر التحليلية الغربية التقليدية. تعكــس قــراءة بــاور خلفيته المهنية فــي المجال الأمني؛ حيث يركــز على الأبعاد الإســتراتيجية والتهديدات، وتظهر نبرة تحذيرية تجعل الكتاب أقرب إلى تشــخيص أزمة نظام عالمي. ويرى أن الخطأ الغربي لم يقتصر على تقدير ســرعة الصعود بل شمل فهم طبيعته؛ إذ افترض أن الاندماج الاقتصادي سيقود إلى تحول ليبرالي بينما استخدمت الصين العولمة لتعزيز قوتها دون تبنِِّي منظومتها القيمية. يتحرك الكتاب على ثلاثة مستويات مترابطة: تاريخي يستحضر الذاكرة الإمبراطورية، وإســتراتيجي يركــز على أدوات القوة، وإدراكي-ثقافــي ينتقد تصورات الغرب عن الصين. ويمنح هذا التداخل كثافة تحليلية، مع ما يطرحه من تحديات تتصل بالتوازن مارتن " والتعميم. كما ينفتح العمل على حوار مع اتجاهات فكرية أخرى، مثل طرح )، مع اختلاف في التركيز على 2 ( " الدولة-الحضارة " حول Jacques Martin " جــاك التداعيات الجيوسياسية. وعلى هذا الأســاس، تســعى هذه القراءة إلى تفكيك بنية الكتاب وتحليل افتراضاته ووضعه في سياقه الفكري والسياسي، عبر مساءلة ما يقوله عن الصين، وكيفية بنائه لهذا القول، وحدود مقاربته. الإطار المنهجي ضمن ســياقه " الصين: انتقام الإمبراطورية " إذا كانــت المقدمــة قد وضعت كتــاب الفكري العام، فإن فهم القيمة التحليلية -وكذلك حدود- هذا العمل يقتضي الانتقال إلى مستوى أعمق، يتعلق بالأدوات المنهجية والافتراضات الضمنية التي يستند إليها المؤلف في بناء أطروحته. فباور لا يقدم نظرية صريحة، أو نموذجًًا تفســيريًًّا مُُعلنًًا بالمعنى الأكاديمي الدقيق، لكنه في الواقع يشتغل ضمن إطار مفاهيمي متماسك نسبيًًّا يمكن إعادة بنائه من خلال تحليل خطابه.

Made with FlippingBook Online newsletter