| 26
يشــير مانويل كاســتلز إلى أن السلطة في العصر الشبكي لم تعد تُُمارََس أساس ًًا عبر الســيطرة المباشرة على الأجساد بل عبر السيطرة على تدفقات المعلومات والمعاني )؛ فالذي يتحكم في الشــبكة يتحكم في ما يظهر بوصفه واقعًًا 31 داخل الشــبكات ( وما يختفي بوصفه غير ذي صلة. ومن هنا، فإن الخوارزمية ليست أداة تقنية محايدة بل بنية سلطوية غير مرئية تعيد إنتاج الهيمنة في صورة تدفق معرفي. ويرى توماس ريد أن الحرب المعلوماتية لم تعد تقتصر على نشــر الأخبار الكاذبة التي تتكون فيها الأحكام، أي التلاعب بسرعة " التلاعب بالبيئة المعرفية " بل تشمل التداول وتكرار الرســائل وربط القضايا ببعضها بطريقة تفرض مسارات تفسير معينة .) 32 ( ا جديدًًا من الســلطة من منظور نقدي، يمكن القول: إن الخوارزمية تمارس شــكلًا ، أي سلطة تتدخل قبل تشكل الحكم " السلطة ما قبل الإدراكية " يسميه بعض الباحثين ا . وهذا يجعل السيطرة الخوارزمية الواعي، عبر تنظيم ما يدخل إلى مجال الرؤية أصلًا أكثر عمقًًا من الســيطرة الأيديولوجية الكلاسيكية، لأنها لا تفرض مضمونًًا بعينه بل تفرض منطق الانتقاء ذاته. لذا، فإن هذا التحول ينقل الحرب من مســتوى الصراع على الأرض إلى مســتوى الصراع على شروط إدراك الأرض. فحين ينجح الفاعل في جعل خصمه يرى الهزيمة نصرًًا، أو يرى القمع استقرارًًا، أو يرى الاحتلال حماية فإنه يكون قد حقََّق انتصارًًا إدراكيًّّا يســبق أي حسم عسكري. وهنا تتحول الخوارزمية إلى سلاح إستراتيجي لا يقل خطورة عن الصواريخ والطائرات بل يفوقها أثرًًا، لأنه يســتهدف البنية العميقة التي من خلالها يُُفهم كل عنف لاحق. . البيانات والذكاء الاصطناعي في توجيه السلوك الجماعي 2 إذا كانت الخوارزمية تمثل الأداة الإجرائية للسيطرة الإدراكية، فإن البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي يمثلان مادتها الخام وعقلها التحليلي؛ فحروب الجيل الخامس تقوم على افتراض أن السلوك الجماعي يمكن رصده ونمذجته والتنبؤ به ثم التدخل فــي توجيهه عبــر أدوات رقمية دقيقة. وهذا ما يجعل الحــرب تتحول من مواجهة عسكرية إلى عملية إدارة اجتماعية-نفسية واسعة النطاق.
Made with FlippingBook Online newsletter