العدد 30

27 |

يرى فيكتور ماير-شــونبرغر وكينيث كوكير أن البيانات الضخمة لا تغيِِّر فقط حجم المعلومــات المتاحة بل تغير منطق المعرفة ذاته، عبر الانتقال من البحث عن العلل )، وهذا يعني 33 إلى الاكتفاء بالارتباطات الإحصائية القادرة على التنبؤ بالســلوك ( أن الفعل السياســي والعسكري لم يعد ينتظر الفهم العميق للدوافع بل يكتفي بقدرة الخوارزمية على التنبؤ بما سيحدث إذا تم إدخال محفز معين. ؛ حيث " الحرب التنبؤية " في المجال العسكري، تُُستخدم هذه المقاربة في ما يسمى تُُحلل البيانات السلوكية والإعلامية والاقتصادية والاجتماعية لاستخراج أنماط يمكن بواســطتها توقع مناطق التوتر أو احتمالات الاحتجاج أو قابلية فئة معينة للتعبئة أو الإحباط. وقد أشار شون غورو إلى أن الجيوش المعاصرة بدأت تعتمد على نماذج .) 34 تنبؤية قائمة على الذكاء الاصطناعي لتوجيه عملياتها النفسية والإعلامية ( يقوم على تحويل التجربة " رأسمالية المراقبة " وتشــير شوشانا زوبوف إلى أن منطق الإنســانية إلى مادة خام للتحليل والتنبؤ والتحكم، وأن هذا المنطق لا يقتصر على ). وعندما يُُدمج هــذا المنطق داخل 35 الســوق بــل يمتد إلى السياســة والأمــن ( إســتراتيجيات الحرب، فإن المجتمع كله يتحــول إلى مجال رصد وتجريب؛ حيث يُُقاس أثر كل رســالة وكل صورة وكل حدث على الســلوك الجماعي ثم يُُعاد ضبط التدخلات بناء على النتائج. ويرى ألكســندر غالواي أن الســيطرة في العصر الرقمي لم تعد تعمل بمنطق المنع ، أي ضبط المســارات الممكنة داخل " التحكم البروتوكولي " المباشــر، بل بمنطــق )، وهذا 36 النظام بحيث يســلك الأفراد طرقًًا معينة دون أن يشعروا بأنهم مُُجبرون ( ينطبق تمامًًا على توجيه السلوك في حروب الجيل الخامس؛ حيث لا يُُفرض موقف سياسي بالقوة بل تُُصمم البيئة الرقمية بحيث يصبح موقف معين هو الأسهل والأكثر ا ًا. ا والأكثر قبول تداول ًا من زاوية نقدية، يطرح هذا التحول إشكاليات عميقة؛ فحين يصبح السلوك الجماعي موضوعًًا للهندســة الخوارزمية، فإن السياســة تتحول من مجــال للنقاش والصراع المفتــوح إلى مجال للإدارة التقنيــة. ويصبح المواطن هدفًًا لعمليات ضبط خفية لا يملك أدوات معرفية كافية لإدراكها أو مقاومتها.

Made with FlippingBook Online newsletter