العدد 30

| 28

وعليــه، إن أخطر ما في توظيف البيانات والذكاء الاصطناعي في الحرب ليس فقط قدرتها على التنبؤ بالسلوك، بل قدرتها على تحويل هذا التنبؤ إلى أداة تدخل استباقي، بحيث يُُعاد تشكيل الواقع بما ينسجم مع النموذج الحسابي، لا العكس. وهنا تتحول الخوارزمية من أداة لفهم الواقع إلى أداة لفرض واقع مطابق لتوقعاتها. وهذا يعني أن حروب الجيل الخامس لا تستهدف فقط كسب معركة معينة بل تستهدف إعادة برمجة المجال الاجتماعي نفسه، بحيث يصبح أكثر قابلية للتوجيه وأقل قدرة على إنتاج مقاومة غير متوقعة. إنها حرب على العفوية وعلى إمكان المفاجأة وعلى قدرة الجماعات على إنتاج مسارات تاريخية لا تخضع للنمذجة المسبقة. وبذلــك، فإن الانتقال من الحرب المادية إلــى الحرب الإدراكية والخوارزمية يمثل لحظــة مفصلية في تاريخ الصراع: لحظة يصبح فيها التحكم في المعنى وفي التوقع وفي السلوك أكثر حسمًًا من التحكم في الأرض ذاتها. وهي لحظة لا يمكن فهمها إلا في ضوء التحول الفلسفي الذي نزع المركزية عن الإنسان، وجعل الفاعلية نتاجًًا شبكيًّّا تتقاطع فيه الإرادات البشرية مع قدرات حسابية قادرة على التدخل في صميم الوعي الاجتماعي. ثانيًًا: التحولات السياسية والقانونية للفاعلية الخوارزمية إذا كان الانتقــال مــن الحــرب المادية إلى الحرب الإدراكيــة والخوارزمية قد أعاد تشــكيل أدوات الصــراع وفضاءاته فإن الأثر الأعمق لهــذا التحول يتجلى في إعادة بناء الأسس السياسية والقانونية التي يقوم عليها النظام الدولي ذاته؛ فحروب الجيل الخامس لا تغيِِّر فقط كيفية إدارة الصراع بل تغير معنى الســيادة وحدود الشــرعية وطبيعة القرار ومنطق المسؤولية. إننا أمام تحول لا يمس سطح الممارسة السياسية ا ًا بل بِِنيتها العميقة؛ حيث لم تعد الدولة الفاعل السيادي الوحيد، ولم يعد القرار فعل ا للتحديد داخل إطار يمكن إسناده إلى مركز واحد ولم تعد المسؤولية مفهومًًا قابلًا قانوني كلاسيكي. فالفاعليــة الخوارزميــة، بوصفها فاعلية موزعة بين بشــر وأنظمة تقنية وخوارزميات ا بنيويًّّا في التصورات التي قامت عليها الحداثة السياســية: وبيانــات، تُُحدث اختلالًا تصور السيادة بوصفها احتكارًًا للقرار، وتصور المسؤولية بوصفها قابلة للإسناد إلى

Made with FlippingBook Online newsletter