العدد 30

33 |

وانتخابات وخطاب سياسي يمكن تتبع مساره. أما في سياق الحرب الإدراكية، فإن الشــرعية يمكن هندســتها رقميًّّا عبر حملات منظمة وخوارزميات ترشيح وتلاعب والقبول " الحر " بتدفقــات المعلومــات، بحيث يصبح من الصعب التمييز بين القبول المُُنتج خوارزميًّّا. تشير شوشانا زوبوف إلى أن السيطرة على السلوك لم تعد تحتاج إلى قمع مباشر بل ا ًا إلى تصميم بيئات رقمية تجعل أنماطًًا معينة من التفكير والتصرف هي الأكثر احتمال ). وعندما تُُســتخدم هذه القدرة في الصراع السياســي والعسكري، فإن الشرعية 48 ( تتحول من تعبير عن إرادة جماعية إلى نتيجة عملية هندسة إدراكية. لــذا، يمكن القول: إن هذا التحــول يضع الديمقراطية ذاتها أمام تحد وجودي، لأن جوهرهــا يقوم علــى افتراض أن المواطنين يتخذون مواقفهــم بناء على نقاش عام مفتوح لا بناء على توجيه خوارزمي خفي. فإذا أصبح الرأي العام نتاجًًا لسلسلة من يصبح إشــكاليًّّا من " إرادة شــعبية " التدخلات الرقمية غير المرئية، فإن الحديث عن الناحية المعرفية والأخلاقية. أما على مستوى النظام الدولي، فإن الحرب الشبكية تخلق وضعًًا تتآكل فيه الحدود بين الحرب والسلم. فالهجمات السيبرانية، وحملات التضليل، والتدخلات الإدراكية، يمكن أن تُُمارََس في زمن يُُفترض أنه زمن سلم، دون أن تُُعد حربًًا بالمعنى القانوني التي تتحرك فيها الدول " المنطقة الرمادية " التقليدي؛ وهذا ما يسميه بعض الباحثين .) 49 والفاعلون دون تجاوز واضح لخط الحرب المعلن ( ، " حالة الطوارئ " ، و " إعلان الحرب " وبالتالــي، فإن هذا الوضع يفرغ مفاهيم مثــل من محتواها العملي، لأن الصراع يصبح دائمًًا، لكنه غير مُُعلن، " الدفاع الشــرعي " و وموزعًًا عبر فضاءات لا يعترف بها القانون الدولي الكلاسيكي بسهولة. وهكذا، فإن الفاعلية الخوارزمية لا تعيد فقط تشكيل أدوات الحرب، بل تعيد كتابة القواعد السياســية والقانونية التي حكمت النظام الدولي منذ قرون. فهي تُُدخلنا في عصر سيادة هش ََّة، وشرعية مُُهندََسََة، ومسؤولية ملتبِِسة؛ حيث لم يعد ممكنًًا الاعتماد على المفاهيم الكلاسيكية دون إعادة نظر جذرية في أسسها الفلسفية والمعرفية.

Made with FlippingBook Online newsletter