العدد 30

| 34

خاتمة تُُظهر هذه الدراســة في ضوء تحليلها النظري والمنهجي لتحولات الصراع المعاصر في ســياق ما بعد الإنســانية، أن الحرب لم تعد حدثًًا إنســانيًّّا صرفًًا يمكن ردُُّه إلى إرادة ســيادية أو قرار سياســي مركزي بل غدت ظاهرة شــبكية هجينة تتداخل فيها الخوارزميات والأنظمة الذكية والبنى التكنولوجية مع الفاعلين البشريين ضمن منظومة معقدة تتجاوز ثنائية الفاعل/الأداة. إن هذا التحول البنيوي لا يمثل مجرد تطور تقني في أدوات القتال بل يعكس انقلابًًا عميقًًا في منطق الفعل الحربي ذاته، وفي الأسس الفلسفية والقانونية التي بُُني عليها تصور الحرب في الحداثة السياسية. لقد بيََّنت الدراسة أن مقاربات الحداثة القائمة على مركزية الإنسان والعقل والسيادة باتت عاجزة عن تفســير أنماط الصراع الجديدة التي تتســم باللامركزية والتســييل والتشــابك الشــبكي بين البشــر والآلات والأنظمة الذكية. فالحرب في إطار ما بعد الإنسانية لم تعد تُُدار حصريًّّا من خلال قرار سيادي واعٍٍ، بل تُُنتََج داخل منظومات تقنية-سياســية تشتغل بمنطق الاحتمال والخوارزمية والتفاعل الذاتي بما يفضي إلى تآكل مفهوم المســؤولية الكلاســيكية، وإلى ضبابية متزايدة في تحديد الفاعل والنية وسلسلة القرار. كما كشــفت الدراســة أن هذا التحول يفرض إعادة نظر جذرية في البنى المعيارية للقانون الدولي الإنســاني، الذي تأســس تاريخيًّّا على فرضية الفاعل الإنساني القادر على التمييز والتقدير وتحمل المسؤولية الأخلاقية والقانونية. ففي ظل الأنظمة ذاتية التشــغيل والطائرات غيــر المأهولة والخوارزميات القتالية، يصبح مبدأ المســؤولية الفردية ومبدأ التناســب ومبدأ التمييز مهددًًا بالتفريغ من مضمونه العملي؛ إذ تنتقل القرارات الحاسمة من وعي الإنسان إلى منطق البرمجة والاحتمال الحسابي. وعليه، فإن ما بعد الإنسانية لا يمكن التعامل معها بوصفها مجرد إطار وصفي لتطور ا أنطولوجيًّّا ومعرفيًّّا يمس طبيعة الفاعل وطبيعة القرار وطبيعة تقني، بل بوصفها تحولًا العنــف ذاته. وهــذا ما يجعل من الضروري الانتقال من مقاربات قانونية وفلســفية تقليدية إلى نماذج تحليلية جديدة تستوعب هذا التشابك بين الإنساني وغير الإنساني داخل بنية الصراع المعاصر.

Made with FlippingBook Online newsletter