العدد 31

| 124

-أي درجة القرب البنيوي والوظيفي- بوصفه متغيرًًا تفســيريًّّا يمكن من خلاله فهم أنماط التسييس المختلفة. تكشــف هذه الإشــكالية عن فجوة نظرية واضحة في الأدبيات؛ فبينما ركزت بعض المقاربات على التســييس بوصفه نتيجة ضغط سياســي مباشر، ودفعت أخرى نحو تعزيز الفصل المؤسســي بوصفه ضمانة معيارية، لم يُُبلور إطار يربط بصورة منهجية بين البنية المؤسســية للعلاقة ومســتوى الوصول إلى مركز السلطة وأنماط التسييس ا أو إخفاقًًا ظرفيًًّا لا الممكنة. وبذلك بقي التســييس يُُفهم غالبًًا بوصفه حدثًًا منفصلًا ظاهرة تتدرج احتمالاتها تبعًًا لطبيعة العلاقة بين المعرفة والسلطة. من هنا تنطلق هذه الدراســة من فرضية مركزية مفادها أن تســييس الاستخبارات لا يُُختزل في الضغط السياســي المباشــر بل يتأثر بدرجة القرب البنيوي والوظيفي بين المحلِِّل ومركز القرار؛ فكلما ازداد هذا القرب تزايدت احتمالات نشــوء أنماط من التســييس الناعم أو الإدراكي، حتى في غياب توجيه صريح، في حين أن الاستقلال المؤسسي لا يلغي التسييس بل قد يعيد إنتاجه في صور معرفية مختلفة. وعليه، يتمثل الســؤال المركزي الذي يحكم هذا البحث في: كيف تؤثر درجة القرب البنيوي بين الاســتخبارات والسلطة في تشكيل أنماط التسييس المختلفة؟ وما حدود الاستقلال التحليلي الممكن داخل بيئة سياسية بطبيعتها؟ لا يســعى هذا البحث إلى الدفاع عن أحد النموذجين -القرب أو الاســتقلال- بقدر ما يهدف إلى بناء إطار تفسيري يعيد تنظيم الأدبيات القائمة عبر تحويل القرب من توصية معيارية إلى متغير سببي. وبهذا المعنى، يتمثل إسهام الدراسة في تطوير نموذج تحليلي يدمج البعد المؤسسي بالبعد الإدراكي، ويقرأ أنماط التسييس بوصفها نتائج محتملة لتفاعل درجة القرب مع مســتوى الاستقلال التحليلي لا بوصفها انحرافات فردية أو أخطاء ظرفية. كما يهدف البحث إلى توســيع النقاش النظري من مســتوى الأخلاقيات المهنية إلى مستوى تصميم العلاقة المؤسسية ذاتها بما يسمح بفهم أعمق لشروط إنتاج المعرفة الاستخبارية داخل بيئة السلطة. القرب " وتكتسب هذه الدراسة أهميتها من كونها تنقل النقاش من جدل ثنائي حول إلى تحليل بنيوي لتشــكل العلاقة نفســها، وهو انتقال ذو دلالة، " مقابل الاســتقلال خاصة في البيئات المؤسســية التي تتســم بضعف الضوابط أو بتداخل الأدوار بين

Made with FlippingBook Online newsletter