137 |
قد يحجب الأنماط الأعمق التي تُُشك ِِّل البيئة التحليلية قبل لحظة التدخل. فالتسييس الصلب، وفق هذا المنظور، ليس نقطة البداية، بل يمثِِّل أقصى درجات التسييس. ومن زاوية تحليلية موازية، يبيِِّن جوشــوا روفنر أن صانع القرار قد لا يحتاج دائمًًا إلــى تعديــل التقدير إذا كان قادرًًا على اســتخدامه انتقائيًًّا أو إعادة تأطيره بما يخدم ). غير أن اللجوء إلى التدخل المباشر غالبًًا ما يعكس حالة 31 أهدافه الإســتراتيجية( توتر مرتفعة بين التقدير والتحيز السياسي، بحيث تصبح أدوات الاستخدام الانتقائي غير كافية، فيتم اللجوء إلى إعادة صياغة أو استبعاد المنتج التحليلي. ويعزز إيريك جي داهل هذه القراءة حين يشير إلى أن فشل التقدير في بعض الحالات لا يرتبط بضغط مباشــر فحســب، بل ببيئة قرار مشحونة بتوقعات إستراتيجية مسبقة .) 32 تجعل صانع القرار أكثر اســتعدادًًا لتجاهل أو تعديل ما يتعارض مع تصوراته( وعليه، فإن التدخل الصريح قد يكون استجابة لأزمة ثقة أو لتباعد حاد بين التحليل والتوجه السياسي، وليس مجرد ممارسة روتينية. في ضوء فرضية القرب، يمكن فهم التسييس الصلب بوصفه نتاجًًا لدرجة عالية من القــرب غيــر المنضبط؛ حيث تصبح قنوات الاتصال مكثفة إلى حد يســمح بالتأثير المباشــر في عملية التحليل. غير أن القرب وحده لا يفســر التدخل؛ إذ إن وجود ضمانــات مؤسســية، وثقافة اعتراض مهني، وتعددية فــي دوائر القرار، قد يحد من تحول القرب إلى ضغط صريح. ومن هنا، فإن التســييس الصلب لا ينبغي أن يُُفهم ا يــزداد ترجيحه في غياب بوصفــه حالة حتمية للقــرب المرتفع بل بوصفه احتمالًا الضوابط التنظيمية. وتؤكد بيتس إيســنفيلد أن تصميم العلاقة المؤسســية يلعب دورًًا حاســمًًا في ضبط هذا النوع من التأثير؛ فكلما كانت هناك آليات مراجعة مستقلة، وتعدد في مستويات الإحاطة، وانفصال نسبي بين مراحل الإنتاج والمراجعة، تضاءلت احتمالات التدخل ا أخلاقيًًّا أو مهنيًًّا بل ). وبالتالي، فإن التسييس الصلب لا يمثل فقط خللًا 33 المباشر( ا في تصميم العلاقة بين التحليل والقرار. يعكس في كثير من الأحيان اختلالًا إن إعادة تفســير التســييس الصلب ضمن إطار فرضية القرب تسمح بتجاوز القراءة التي تحصره في ســوء نية الأفراد أو في نزعة ســلطوية عابرة. فهو، في هذا الإطار،
Made with FlippingBook Online newsletter