العدد 31

| 138

تعبير عن اختلال في توازن العلاقة؛ حيث يتراجع اســتقلال التحليل لصالح اندماج مفرط غير منظم. وهذا ما يبرر النظر إليه بوصفه أقصى درجات التســييس التفاعلي لا بوصفه الظاهرة المركزية التي تُُختزل فيها كل أشكال التسييس. بهذا المعنى، يشك ِِّل التسييس الصلب نقطة انطلاق ضرورية لتحليل الأنماط الأخرى، لكنه لا يمثل ســوى أحد تعبيرات العلاقة بين القرب والســلطة. أما الأشكال الأكثر انتشارًًا وتعقيدًًا، فتتبلور في المساحات الرمادية بين الاستقلال والتبعية، وهو ما يقود إلى النمط التالي: التسييس التفاعلي. . التسييس الناعم 2 بينما يركز التســييس الصلب على التدخل المباشــر لتغيير التقديرات أو فرض نتائج مسبقة، يظهر التسييس الناعم في المساحات الرمادية التي تتوسط العلاقة بين التحليل وصانع القرار. في هذا النمط، لا تعتمد العملية على أوامر مباشــرة، بل على آليات التكيف الاســتباقي؛ حيث يعيد المحللون ضبط صياغة تقديراتهم استجابة لتوقعات الســلطة مع المحافظة على اســتقلالهم المهني العام. ويبرز هنا مفهوم الاســتخدام الانتقائــي للمعرفة، حيث يختار المحلل عناصر محددة من المعلومات لتقديمها بما يتوافق مع أهداف صانع القرار دون التخلي عن الموضوعية العامة. وقد أبرزت دراســة ســتيفن مارين أن كثيرًًا من أشــكال التسييس الناعم تُُنتج ضمن بيئات يتوقع فيها المحلِّّلون ردود فعل سياسية معينة، فيعيدون ضبط التقديرات لتقليل ). كما أوضح جوشوا روفنر 34 الاحتكاك أو لتعزيز نفوذهم داخل دوائر صنع القرار( أن الإســتراتيجيات التكيفية غالبًًا ما تســمح للمحلل بالحفاظ على مصداقيته، حيث يبقى التقدير محافظًًا على الأساس التحليلي، لكنه يقدم عناصر محددة تخدم أهداف .) 35 السلطة أو تفضيلاتها ( يظهر التسييس الناعم إذن نمط ًًا ديناميكيًًّا مشروط ًًا بدرجة القرب المؤسسي والوظيفي، ويــزداد احتمال ظهــوره عندما يكون المحلل قريبًًا بما يكفــي لفهم توقعات صانع القرار، دون أن يتيح ذلك للســلطة التدخل المباشــر في محتوى التقدير. وهنا تكمن قيمة فرضية القرب إطارًًا تحليليًًّا؛ فهي لا تختزل التســييس في الضغط الصريح بل تفســر كيف تنتج التفاعلات اليومية بين التحليل والسياســة أنماطًًا غير مباشــرة من التأثير، وتتدرج هذه الأنماط تبعًًا لشدة القرب ودرجة الاستقلال التحليلي.

Made with FlippingBook Online newsletter