العدد 31

141 |

وهذا لا يعني أن التسييس يحدث بالضرورة، وإنما يشير إلى ارتفاع احتمال ظهوره ضمن ســياق مؤسســي محدد، وهو ما يبرر اعتبار هذا النمط أكثر ديمومة واستقرارًًا مقارنة بالتسييس الصلب أو التفاعلي. وبذلك يصبح التسييس البنيوي عنصرًًا مركزيًًّا في فهم العلاقة بين التحليل والسياسة؛ فـ ًا للإطار التحليلي � إذ يوضــح كيــف يمكن للهيكل التنظيمي نفســه أن يهيئ ظرو ويحدد طبيعة اســتجابة المحلل للتوقعات الخارجيــة. ومن ثم، يمكن الانتقال إلى النمط الأخير، وهو التســييس الإدراكي، الذي يعكس المســتوى المعرفي والفكري يمثــل التســييس الإدراكي أعمق طبقــات الطيف التفاعلي؛ حيــث لا يقتصر التأثير على التدخل المباشــر أو التكيف الاســتباقي أو البنية المؤسسية بل يمتد إلى الإطار الذهني والمعرفي للمحللين وصانعي القرار. في هذا النمط، تتقارب الأطر الإدراكية، وتتســرب التوقعات السياســية والثقافة المؤسسية إلى عملية الإنتاج المعرفي بصورة تدريجية؛ مما يؤدي إلى تضييق نطاق البدائل المطروحة وتوحيد تفسير الأحداث. تشــير دراســات ستيفن مارين إلى أن التسييس الإدراكي ينشأ غالبًًا من تداخل الأطر الإدراكية للمحلل وصانع القرار؛ حيث تتشكل التقديرات وفق ما يُُتوقع أنه مرغوب ). وهذه الحالة لا تعكس 43 أو مقبول، أكثر من تشكلها وفق قاعدة تحليلية محايدة( انحرافًًا مقصودًًا، وإنما تمثل نتيجة طبيعية للتفاعل اليومي والاعتيادي داخل المؤسسة؛ مما يجعل التقديرات أقل اســتقلالية من الناحية الفكرية وأكثر انســجامًًا مع النمط الإدراكي المشترك. ويُُبرز جوشوا روفنر أهمية هذا النمط من خلال دراسة الاستخدام الانتقائي للمعرفة؛ حيث لا يُُطلب من المحلل تعديل الحقائق، وإنما يُُختار ما يُُقدََّم لصانع القرار وفق ). ويعكس هذا الاختيار الانتقائي توجيهًًا معرفيًًّا ضمنيًًّا، ويخلق 44 توقعات مســبقة( بيئة توازن بين الحفاظ على الموضوعية والملاءمة للسياسة. ومــن زاويــة أخرى، توضح ناثــان وودارد أن الثقافة التنظيمية تــؤدي دورًًا محوريًًّا في التســييس الإدراكي؛ إذ قد تُُفضي إلى تقارب نمطي في تفســير المعلومات بين لهذا التفاعل البنيوي. . التسييس الإدراكي 4

Made with FlippingBook Online newsletter