145 |
القرب المؤسسي يقــوم الافتراض التقليــدي في الأدبيات المبكرة على معادلة ضمنية مفادها أن زيادة القرب تؤدي حتمًًا إلى زيادة التســييس. ويغفل هذا الافتراض التمييز الذي يطرحه " الاستجابة المشروعة " )، و Harmful Politicization ( " التســييس الضار " مارين بين ). فالتفاعل مع متطلبات 52 ) لاحتياجات صانع القرار( Legitimate Responsiveness ( السياسة قد يكون شرطًًا لإنتاج تحليل ملائم قابل للاستخدام. كما أن الاستخبارات التي تُُنتج بمعزل عن ســياق القرار قد تبدو موضوعية من حيث الشــكل، وتفقد في الوقت نفسه صلتها الوظيفية بعملية صنع القرار. ؛ حيث " معضلة القرب " وتذهب بيتس إيسنفيلد أبعد من ذلك في تحليلها لما تسميه .) 53 تــرى أن الخطــر يرتبط بغياب آليات الحوكمة التي تنظ ِِّم الاتصال بين الطرفين( فالقــرب غير المنضبط قــد يخلق ضغطًًا ضمنيًًّا، في حين يعزز القرب المنظم -عبر قنــوات واضحة وحدود مهنية صريحة- الفهم المتبادل ويقلِِّل من احتمالات ســوء التقديــر. وبهذا المعنى، يصبح القرب متغيرًًا تنظيميًًّا لا يحمل دلالة معيارية ســلبية في ذاته. أما يوري بار جوزيف، فيُُظهر من خلال تحليله المقارن أن كثيرًًا من حالات الفشل الاستخباراتي ارتبطت بتفاعل انتقائي موجه سياسيًًّا أكثر من ارتباطها بكثافة التفاعل ). أي إن الإشكالية ترتبط بطبيعة القرب وآليات التحكم فيه ومجالاته. ويفتح 54 ذاته( ذلــك البــاب أمام قراءة احتمالية؛ فالقرب يزيــد قابلية التأثير، دون أن يحدد اتجاهه بصورة حتمية. وبنــاء علــى ذلك، يصعب النظــر إلى القرب بوصفه متغيرًًا ذا دلالة معيارية ســلبية بطبيعته؛ فهو متغير وظيفي تتحدد قيمته وفق الســياق المؤسســي، والثقافة التنظيمية، ووجود الضمانات المهنية أو غيابها. الاستقلال التحليلي فــي المقابــل، يفترض الطرح المثالي أن الحل يكمن في اســتقلال كامل للتحليل. ويصطــدم هــذا الافتراض بإشــكالية بنيوية تتمثل في أن الاســتخبارات تُُنتج معرفة لأغراض سياسية. فهي ليست بحثًًا أكاديميًًّا حرًًّا وإنما نشاط موجه نحو دعم القرار. ومن ثم، فإن الفصل المطلق بين التحليل والسياسة يتعارض مع الغاية الوظيفية ذاتها.
Made with FlippingBook Online newsletter