العدد 31

195 |

ضمن ترتيبات مؤسساتية هدفت إلى طمأنة الداخل والخارج معًًا بأن القوة العسكرية الألمانية ستظل مقيدة ضمن بنية متعددة الأطراف. أرســت هذه المرحلة المبكرة ثلاث ركائز أساســية للثقافة الإســتراتيجية الألمانية. تمثلت الركيزة الأولى في ضبط النفس العســكري، عبر حصر اســتخدام القوة في حالات الضرورة القصوى وضمن أطر التحالفات الدولية. وتمثلت الثانية في الشرعية متعددة الأطراف، مع التركيز على حلف الناتو، والمؤسســات الأوروبية، ثم الاتحاد الأوروبي لاحقًًا، بوصفها الأطر الناظمة للسياسة الأمنية الألمانية. أما الركيزة الثالثة ، من خلال إعطاء الأولوية للدبلوماســية، " القوة المدنية " فتمثلت في ترســيخ مفهوم والأدوات الاقتصادية، والتعاون القائم على القواعد. وقد ترســخت هذه المرتكزات تدريجيًًّا داخل البنية السياســية والمؤسساتية الألمانية، واستمرت في توجيه السياسة الأمنية لألمانيا حتى بعد التحولات الجيوسياسية التي غيََّرت البيئة الدولية التي نشأت فيها. . السياسة الأمنية الألمانية بين الحرب الباردة وإعادة التوحيد 2 احتلــت ألمانيا الغربية خلال الحرب الباردة موقعًًا متقدمًًا في خطوط المواجهة بين المعســكرين الشــرقي والغربي، إلا أن هذا الموقع لم يؤد إلى تبني مقاربة عسكرية تقليدية بالمعنى الكامل. فقد اســتندت إســتراتيجية حلف شــمال الأطلسي (الناتو) بدرجــة كبيرة إلى القــوات المتحالفة المتمركزة على الأراضي الألمانية، ولاســيما القــدرات النوويــة والتقليدية الأميركية. وفي هذا الســياق، تطــور الجيش الألماني بوصفه قوة دفاعية ذات كفاءة عالية ص ُُمِِّمت أساسًًا لحماية الأراضي الألمانية وردع التهديدات المحتملة أكثر من كونه أداة لإسقاط القوة خارج الحدود. أكد المستشــارون الألمان -من كونراد أديناور إلى هيلموت كول- أن الاندماج في التحالفات الغربية يمثل الركيزة الأساسية للأمن الألماني. وفي الوقت نفسه، فتحت ) Willy Brandt ) التي أطلقها فيلي برانت ( Ostpolitik ( " سياسة التقارب مع الشرق " مســارًًا موازيًًا للتواصل مع الكتلة الســوفيتية ودول أوروبا الشــرقية. وقد أسهم هذا النهــج المــزدوج، القائم على الجمع بين الردع والانخراط الدبلوماســي، في تعزيز الاستقرار داخل أوروبا الوسطى، ورس ََّخ في الوعي الإستراتيجي الألماني فكرة إمكان تحقيق الأمن عبر الدبلوماســية والترابط الاقتصادي والسياسي، إلى جانب الترتيبات العسكرية الجماعية.

Made with FlippingBook Online newsletter