| 18
المجنون هنا لا يُُقتل، ففعله أو عقوبته أقل من القتل، لكنه أيض ًًا لا يُُدمج؛ أي لا يعالج ليكون قادرًًا على العيش داخل المجتمع، ومن ثم تنشــأ حالة عبور دائمة أو انتقال مستمر؛ بين اليابسة والبحر، بين المعلوم والمجهول، بين المحدد وغير المحدد، أو -إن شئت- بين المعقول واللامعقول. ؛ فإذا كان المنفى في " المنفى المتحرك " سـ ِد ســفينة مجانين فوكو بهذا المعنى � وتج صورته التقليدية جزيرة في بحر، أو في عزلة محددة مفروضة، فإنه يتحول عند فوكو إلى مجال إخفاء وعزل داخل شبكة السلطة، وضمن آليات إدارتها وإرادتها الواعية. ومن هذا المنظور يمكن قراءة جزيرة إبستين عنوانًًا لتحوُُّل جيوسياسي لبنية الإقصاء أو النفي؛ فبينما تمثل سفينة فوكو جزيرة متحركة، تجسد جزيرة إبستين جزيرة ثابتة تؤدِِّي الوظيفة ذاتها. وتبعًًا لمنطق الاســتثناء الذي تمارســه الســلطة في حالة إبستين، يثور التساؤل: هل عند فوكو علاقة بالســلطة؟ والإجابة: نعم؛ فالســلطة هي التي " ســفينة المجانين " لـ تتخذ قرار الاقصاء، وهي التي تحدد الفضاء الذي يُُمارََس فيه، فتجعل السفينة جزيرة عائمة تحمل صفة الاســتثناء، ســواء في طبيعة مجال الحياة، أم في القواعد القانونية لا ينظر فوكو إلى الجنون من الزاوية المََرََضية بل يعالج موضوعه بوصفه مادة لإنتاج . فالجنون عنده ليس حالة بيولوجية أو نفسية محددة بل هو نتيجة " السلطة والمعنى " عملية تاريخية فصلت بين المعقول واللامعقول، وأعادت ترتيب المنظومة الاجتماعية تبعًًا لذلك. ومن ثم يغدو الجنون ظاهرة اجتماعية أنتجها المعنى والســلطة، وليس حالة نفسية أو بيولوجية كغيرها من الظواهر. تظهر رمزية هذا الترتيب؛ إنها فضاء عائم، غائم، غامض، يحمل " سفينة المجانين " في ، بعيدًًا عن المنظومة الاجتماعية، من غير أن يعالجهم أو يقتلهم " آخريــن مختلفيــن " ا؛ فهم في أو يعاملهم طبقًًا للعزل المعروف في السجون أو في الجزر المُُعرََّفة مجالًا ســفينة لا تمخر البحر إلا لتســتقر على المرسى ثم تعاود الإبحار مرة أخرى، وهلم جــرََّا. إنهــا صيغة مبكرة لتعليق حكم الإعــدام أو تجميده قبل إلغائه، أو هي صيغة والاجتماعية التي تحكمه. الجنون والعلاقة بالسلطة
Made with FlippingBook Online newsletter