العدد 31

19 |

لإقصاء غير دموي لكنه قاتل معنويًًّا؛ إذ يظل مجاله غير محدد، شــأن الســفينة في البحر، فلا هي مســتقرة فيه ولا هي منتهية الترحال إلى المرســى أو الميناء، وإنما تظل معلقة بينهما كالكرة يتقاذفانها، لا تستقر في ناحية إلا لتنطلق نحو الأخرى. تترجم جوهر الســلطة الحديثة عند فوكو؛ فالسلطة لا تدمر الآخر بل " البيني ََّة " وهذه تعيد موضعته خارج مركز الشرعية، وذلك بعزل من تعده منظومتها خطرًًا رمزيًًّا عليها. وبذا تكون ســفينة فوكو تجســيدًًا ثقافيًًّا للعلاقة بين المعنى والسلطة في إنتاج الآخر وإقصائه. تعليق القانون يرى الفيلسوف الإيطالي، جورجيو أغامبن، أن جوهر السيادة يتمثل في القدرة على تعليق القانون داخل حيز جغرافي معين. فالسيادة لا تتجلى في احتكار العنف أو في سـ َِّن القوانين فقط؛ وإنما في القدرة على تعليق القانون وإيجاد فضاء استثنائي يُُعلََّق � فيــه القانــون دون أن يختفي. هنا لا يغيب القانون بالمطلق، بل يظل حاضرًًا بوصفه ســلطة تملك حق تعليق نفسها، أو تجميد مقتضياتها، وبذلك تتحول حالة الاستثناء من تدبير مؤقت إلى تقنية دائمة من تقنيات الحكم، يغدو معها الاســتثناء جزءًًا من البنية الطبيعية للسيادة الحديثة. ويترتب على ذلك أن الســلطة الســيادية، وفق أغامبن، لا تُُعرََّف بحدودها القانونية، وإنما بقدرتها على إنتاج فضاءات تقع عند الحدود بين القانون واللاقانون. إنها القدرة علــى التحك ُُّم في القانون بالقانون وتحك ُُّم الســلطة فــي الاثنين؛ لأنها صانعة لهما، مسيطرة على تحقيق مقتضياتهما. في هذه الفضاءات يُُختزل الإنسان إلى ما يسميه أغامبن بالحياة العارية أو المكشوفة مـ ًا؛ أي الحياة المجرََّدة من الضمانات السياســية والحقوقية؛ بحيث يصبح الفرد � تما خاضعًًا للسلطة من غير أن يتمتع بالحماية القانونية الكاملة. ومن هنا يغدو المعسكر -وليس الســجن أو المحكمة- النموذج السياسي الأبرز للحداثة؛ لأنه يمثِِّل المكان الذي تتجســد فيه حالة الاســتثناء بصورة دائمة؛ حيث يستمر النظام القانوني شكليًّّا بينما تتوقف آثاره العملية على فئة أو جماعة أو إقليم معين.

Made with FlippingBook Online newsletter