209 |
خامس ًًا: الاستقلال الإستراتيجي وأمن الطاقة والتحولات الجيواقتصادية الألماني على إعادة بناء السياســة الدفاعية بل امتد " التحول التاريخي " لــم يقتصــر ليشمل مراجعة أوسع للأسس الجيواقتصادية التي قامت عليها القوة الألمانية منذ نهاية الحرب الباردة. فقد كشفت الحرب الروسية على أوكرانيا هشاشة عدد من الركائز التي اعتمد عليها النموذج الألماني، وفي مقدمتها الاعتماد الواســع على الطاقة الروسية، وضعف الاستثمار في البنية التحتية الحيوية، وتراجع القدرة الصناعية الدفاعية. وفي هذا السياق، اتجهت ألمانيا إلى إعادة صياغة إستراتيجيتها في ثلاثة مسارات مترابطة: العلاقة مع روسيا، وأمن الطاقة، والقاعدة الصناعية الدفاعية. . التحول الإستراتيجي في العلاقات مع روسيا 1 قامت السياسة الألمانية تجاه روسيا، لعقود طويلة، على افتراض أن الترابط الاقتصادي والانخراط التجاري قادران على دفع موسكو نحو سلوك أكثر تعاونًًا واستقرارًًا، وهو . إلا أن " التغيير عبر التجارة " ومفهوم " السياســة الشرقية " التصور الذي ارتبط بإرث الحــرب علــى أوكرانيا دفعت ألمانيا إلى مراجعة جذريــة لهذا النهج، بعدما بدا أن الاعتماد الاقتصادي المتبادل لم يمنع التصعيد العسكري الروسي. في هذا الإطار، اتخذت برلين سلســلة خطوات مثََّلت قطيعة واضحة مع سياســاتها ، وإنهاء عدد من عقود الغاز طويلة "2 نورد ستريم " الســابقة، شــملت تعليق مشروع الأجــل، والانخراط فــي منظومة العقوبات الغربية التي اســتهدفت قطاعات الطاقة ). كما توس ََّع الدعم الألماني لأوكرانيا عسكريًًّا 22 والتمويل والتكنولوجيا الروســية( وسياسيًًّا، بالتوازي مع تعزيز الدور الألماني داخل الناتو ومنظومة الردع الأوروبية. ومع ذلك، لا تزال داخل ألمانيا تيارات سياســية، خاصة داخل بعض أوساط اليسار والحــزب الاشــتراكي الديمقراطي، تدعو إلى الحفاظ على قــدر من الانخراط في التعامل مع روسيا. وتعكس هذه المواقف استمرار تأثير المدرسة التقليدية التي رأت سـ ًا للاستقرار الأوروبي. لكن الاتجاه � في الحوار والاعتماد الاقتصادي المتبادل أسا الغالب داخل الدولة الألمانية بات ينظر إلى روسيا بوصفها مصدر تهديد إستراتيجيًًّا، لا شريكًًا طويل المدى كما كانت الحال خلال العقود السابقة.
Made with FlippingBook Online newsletter