العدد 31

21 |

،) 15 ، عََد الجيوسياســي الفرنسي، إيف لاكوست( " ا لصناعة الحرب تُُســتعمل أولًا " هو ســؤال السياسي الإستراتيجي، أما " من يســيطر على المكان؟ ولماذا؟ " ســؤال: ، فهو في رأيه سؤال السائح أو الجغرافي الوصفي الذي " كيف يبدو المكان؟ " سؤال: لا ينفذ إلى معنى النفوذ وصراعات المصالح. فالجغرافيا عند لاكوست معرََّفة بالسلطة؛ إذ كل سلطة، مهما كانت طبيعتها، تمتلك معرفة دقيقة بالمجال الذي تحكمه أو تســعى إلى بســط نفوذها عليه. ومن ثم، فإن الجغرافيــا الطبيعيــة من ممرات وجبال وبحار وأنهار ومــوارد طبيعية وخرائط، هي أدوات لاتخاذ القرار السياســي السلطوي، وليست معلومات أو معطيات بريئة خالية من المعنى السياسي. ومن ثم فإن الجغرافيا -بهذا المنظور- مكو ِِّن من مكو ِِّنات القوة الوطنية عند لاكوست؛ إذ تمنح الدولة ممارســة السلطة؛ فرض ًًا للنفوذ، أو إدارة للسلم أو للحرب بمختلف أبعادهــا. ولــذا فقد خدمت الجغرافيا الإمبراطوريات قبــل أن تدخل مجال الدرس الأكاديمي والتفكير الفلســفي؛ فالخريطة في أصلها وثيقة عسكرية، وفهم التضاريس شرط للغزو كما هو شرط للدفاع. إن الحقيقة الجغرافية لدى لاكوســت تعني اختيار ما يُُرســم، فيُُثبََّت على الخارطة، وما يُُهمََل فيسقط من التفكير الإستراتيجي، وما يُُبرََز لتشكيل الرؤية، وما يُُخْْفََى في ا سياسيًًّا بامتياز؛ فالخرائط هي سياق الفعل السياسي. ومن ثم، تصبح الجغرافيا فعلًا نتــاج رؤيــة للعالم لا مجرد تمثيل للطبيعة، وما يترتب على هذه الرؤية من تفســير إنمــا هــو تدليل على نجاعة هذا التصور أو تســويغ لاتخــاذه. فحدود الدولة تعني منطقة أمنية لســلطتها، وموطنًًا تاريخيًًّا لسكانها، وخطوط الحدود والممرات البحرية ومناطق النفوذ خطوط تعكس حقائق الطبيعة، وبذا تتحول الجغرافيا إلى أداة خادمة لأيديولوجيا السلطة، وترجمة لسرديتها السياسية، وليست مجرد علم وصفي محايد. وينعكس ذلك في الربط -لدى لاكوســت- في العلاقة بين الســيطرة على المكان والســيطرة على الإنسان؛ فكل سيطرة على المجال هي سيطرة على ساكنيه. ولذلك فإن الصراع على الأرض صراع على الإنســان وللإنسان، قبل أن يكون صراعًًا على المــوارد والمواقــع والممرات؛ إذ إن التحكم فــي كل ذلك يعني التحكم في حركة الإنسان ثقافة واقتصادًًا وتجارةًً.

Made with FlippingBook Online newsletter