العدد 31

| 22

ا، كهرمز وباب مــن هنا، فإن الصراع علــى المضائق والممرات البحرية اليــوم مثلًا المندب وقناة الســويس؛ لا يتعلق بقيمتها الجغرافية المجردة بل بما تتيحه من قدرة علــى التأثيــر في اقتصاد العالم والنفوذ إلى مواقع صنع القرار السياســي في الدول المعنية. وعلى هذا الأســاس، لا ينفك فهم السياســة الدولية عن فهم الجغرافيا؛ إذ الحروب لا تنشــأ في فراغ وإنما في مجال محدد الخصائص، ترســم الدول تحركها فيه بناء علــى فرصــه وإكراهاته. ومن ثم، فإن التنافس في بحــر الصين، أو في الخليج، أو القطب الشــمالي، لا تفســره الأيديولوجيات منفردة بل تشرحه كذلك الجغرافيا بما ا للنفوذ تبرزه من قيمة إستراتيجية تجعل تلك المناطق ومثيلاتها مصدرًًا للقوة ومجالًا في الصراع. وخلاصة تصوُُّر لاكوســت أن الجغرافيا ليســت عِِلمًًا بالمكان، وإنما علم بالصراع علــى المــكان، ولعمري فإنها كذلك؛ بما هــي إدراك لطبائع المكان الذي يقود إلى الصراع عليه، نفوذًًا وتحكمًًا. وبما أن لاكوســت انتهى إلى أن الجغرافيا أداة هيمنة وصراع؛ ولم تكن أبدًًا وصفًًا محايدًًا للمجال، فإن اختياره الجزيرة محضنًًا للشر، بهذا المنطق، ليس صدفة بل قرارًًا سياسيًًّا بامتياز، دعت إليه القدرة على التحكم في المنافذ، والبعد عن نواظر المجتمع؛ وما يترتب على ذلك من ضعف الرقابة القانونية والشفافية الإدارية. وهذا يحيل إلى أن المجال، في جوهره، صنعة سياســية، تصورًًا وممارســة. فالجزر، بحكم عزلتها، ا أوسع للتحكم، بما هي معزولة؛ لا تخضع لقواعد الشفافية، ولا تتيح للسلطة مجالًا القانون ولا لسلطان المجتمع العرفي. إن قراءة الفضاء المعزول من خلال فوكو وأغامبن ولاكوست، تكشف أن الجغرافيا التي " سفينة المجانين " ليست حيادية في إدارة الانحراف الأخلاقي أو السياسي. فمن حملــت المختلفين بعيدًًا عن المدينة، إلى فضاءات الاســتثناء المعاصرة التي يُُعلََّق فيها القانون، يظهر بجلاء أن الســلطة لا تُُقصي الشر، بل تُُعيد هندسة موضعه، وبذا يصبح الفضاء أداة تنظيم للمرئي والمخفي، ويغدو العزل الجغرافي أحد أشكال إنتاج الحقيقة السياسية ذاتها.

Made with FlippingBook Online newsletter