العدد 31

23 |

ثالثًًا: الجزر الاستثنائية: نموذج تفسيري ظََل الإنســان، منذ فجر التاريخ، يبحث عن موضع يودع فيه مخاوفه وأســراره بعيدًًا عن أعين الفضول، ويلجأ إليه هربًًا من مخالفة القانون أو ســطوة الرأي العام، قبيلة كان أو دولة. ولذلك أســكن الخيال الوثني آلهتََه الجبالََ، وأودع الأرواح الكهوف، وجعل جزر البحار البعيدة موطنًًا للشيطان، ومعه الجن والسحرة والكائنات الخارقة. وتجسد هذه الصورة علاقة الإنسان بالمجهول النسبي؛ فلم تكن مجرد انعكاس لخيال ديني بل ارتبطت بطبيعة الإنســان التي جعلته، كلما ابتعد عن عالم العمران، اقترب من عالم الأساطير والخرافات والشعوذات. وفي القرن الحادي والعشرين، وبعد أن تراجعت سلطة الأسطورة وانكشف كثير من الغيب النسبي، غدت الجزر، في بعض ا لإخفاء شبكات بشرية تفوق الجن غرابة والشياطين شرًًّا. صورها، مجالًا شـَِّر بناء نموذج تفســيري للجزيرة � ومن هذا المنطلق، تتيح الجغرافيا السياســية لل الاستثنائية لا من زاوية عزلتها الجغرافية وحدها وإنما من خلال تحليل بنيتها، وقراءة تفاعلها مع القانون والاقتصاد والمال وشــبكات المصالح والنفوذ. ويفتح ذلك بابًًا لفهــم الجزر في الدولة المعاصرة بوصفها فضاءات تؤدي وظائف محددة، لا مجرد تكوينات جغرافية أو أقاليم وطنية عادية. ويمكن تفسير ذلك من خلال خمسة أبعاد رئيسة: - ببنية المجال؛ فالبحر يوفر عزلــة للجزيرة تتيح التحكم في يتعلــق البُعــد الأول الوصــول إليهــا عن طريق موانئها المحدودة، فتكــون منافذ الوصول أداة ضبط وتحكم سياسي. - فيتمثل في ســيادة مفهوم الاســتثناء؛ تقنية للتحكم وأداة للنفوذ؛ أما البعد الثاني فالمنطقة الرمادية المتسعة في سلطة الجزيرة تجعل القانون ضعيف النفاذ، محدود السلطة والسطوة؛ مما يجعل تنفيذه بطيئًا حتى يكاد يختفي. - يتحدد بســرية الاقتصاد؛ فالمجال الجزيــري مجال تتداخل فيه والبعــد الثالث الملكية الخاصة، والواجهات المؤسسية، مع آليات الحد من الرقابة الاجتماعية، خاصة في بُعدها الإعلامي؛ حيث تتشــكَّل صناعة الرأي العام المتحفزة لحماية القانون والأخلاق. وهكذا تتحول الجزيرة إلى بنية استثمار أو تشغيل رأسمالي، تتحكم فيما يظهر للمراقب، ولا تكشف طبيعتها كاملة.

Made with FlippingBook Online newsletter