العدد 31

| 236

وتجريديــة أكثر مــن ارتباطها بالمــوارد المادية التي تقوم عليهــا. ولاحقًًا، عم ََّقت المدرسة النيوكلاسيكية هذا المنحى حين تعاملت مع الطبيعة بوصفها مخزونًًا متاحًًا يـ ّا للمخلََّفات، وافترضت إمكانية تعويض رأس المال الطبيعي � للمــوارد ومصبًّّا مجان ) Productivism ( " إنتاجوية " برأس مال مُُصنََّع أو تكنولوجي. ومن ثم ترسخت نزعة س ـ َخت الاعتقاد بإمكانية التوســع غير � جعلت النمو الاقتصادي غاية قائمة بذاتها، ور .) 15 المحدود داخل عالم محدود الموارد( ولتدعيم أطروحته، يعود غارثون إلى التاريخ المادي للطاقة بوصفه مفتاح ًًا لفهم نشأة الرأسمالية الحديثة. فالتوسع في استخدام الفحم لم يقتصر على توفير مصدر جديد للطاقة بل أسهم في إعادة تنظيم العملية الإنتاجية عبر تجاوز القيود التي كانت تفرضها الموارد الطبيعية التقليدية. وقد مثََّل تطور الآلة البخارية نقطة تحول حاسمة؛ إذ حرَّّر النشاط الصناعي من الارتباط بالمجاري المائية، ومك ََّن من تمركز المصانع في المدن حيث تتوافر اليد العاملة والأســواق. ومن خلال التفاعل بين الفحم والحديد والآلة البخارية، تشك ََّلت البنية التحتية للرأسمالية الصناعية واتسعت شبكات النقل والتبادل، بما ســمح بربط المراكز الصناعية بمناطق استخراج الموارد على نطاق عالمي. ومع الانتقال إلى النفط والغاز خلال القرن العشــرين، تعززت هذه الدينامية عبر نشــوء صناعات جديدة وتكثيف الترابط بين فضاءات الإنتاج والاستخراج؛ الأمر الذي عم ََّق الطابع العالمي للرأسمالية ورس ََّخ اعتمادها المتزايد على التدفقات المستمرة للطاقة. استنادًًا إلى هذا المسار التاريخي للطاقة، يُُعيد غارثون قراءة التحولات الجيوسياسية الحديثــة بوصفها تعبيــرًًا متجددًًا عن منطق الهيمنة على المــوارد. فخلال المرحلة الميركانتيلية، ارتبط تأمين الموارد بالتوســع الاســتعماري المباشــر والاستيلاء على الأراضي وإخضاع الشــعوب. غير أن هذا المنطق لم يختف مع صعود الرأســمالية الليبرالية بل أُُعيد تشــكيله عبر آليات الســوق والتجارة الدولية. فبينما رُُو ِِّج للتجارة الحــرة بوصفها إطارًًا للتبادل المتكافئ، اســتمرت علاقات غير متوازنة بين المراكز الصناعية ومناطق الأطراف؛ حيث تركزت عمليات استخراج الموارد والأعباء البيئية المرتبطة بها، في حين تراكمت القيمة المضافة والثروة في الاقتصادات المتقدمة. ويــرى الكاتب أن اســتنزاف الموارد الطبيعية، إلى جانــب التنافس المتصاعد على المعادن الإســتراتيجية اللازمة للتحول الطاقي، يدفع الاقتصادات الكبرى إلى تطوير

Made with FlippingBook Online newsletter