العدد 31

| 90

الإمداد وحسابات القوى الكبرى. والأخطر أن تعطيله لا يحتاج إلى إغلاق عسكري كامل؛ إذ يكفي أن تتحول الملاحة فيه إلى مخاطرة عالية حتى يتباطأ الشحن وترتفع ا ؛ إذ تراجعت حركة الملاحة أقســاط التأمين وتتردد الشــركات. وهذا ما حدث فعلًا % بعد اندلاع الحرب، وفق تقديرات أممية وبيانات 90 التجارية عبر المضيق بأكثر من ). كما أعلنت طهران ترتيبات عبور ورسوم بحرية خاصة بالمضيق، 16 تتبع الملاحة( ). وهنا يصبح 17 قبل أن تعلن لاحقًًا إعفاء مؤقتًًا من هذه الرســوم لمدة ســتين يومًًا( الخوف نفسه جزءًًا من الإستراتيجية، وتتحول احتمالية الخطر إلى أداة ضغط لا تقل فاعلية عن الخطر الفعلي. لقد أظهرت الحرب أن إيران تدرك القيمة السياسية والاقتصادية للمضيق بوصفه نقطة اختناق عالمية؛ فهي لا تســتخدمه ورقة عســكرية فحسب بل ورقة تفاوضية ورمزية كـ ِر العالم بأن أمن الطاقة لا ينفصل عن موقعها الجغرافي. وهذا الإدراك يمنحها � تُُذ قدرة على تدويل أزمتها وتحويل المواجهة من صراع إقليمي إلى أزمة دولية تستدعي تدخل القوى الكبرى والأسواق. وفي المقابل، يضع دول الخليج أمام معضلة مركبة؛ فهــي الأكثر تضــررًًا من اضطراب المضيق، والأكثر اعتمادًًا عليه، والأقل قدرة على تجاهل موقع إيران الجغرافي مهما بلغت حدة الصراع معها. متطلبات الحرب الحديثة غير أن مضيق هرمز لا يمثل ســوى أحد وجوه التحول الأوســع في طبيعة التهديد، فالحرب الحديثة أخذت تذيب الحدود القديمة بين المجال المادي والمجال الرقمي، وبين الضربة العســكرية المباشرة والتأثير المعلوماتي المصاحب لها، وبين استهداف المنشــأة وتعطيــل البيئة التي تعمــل داخلها. وقد أظهرت المواجهــة أن العمليات السيبرانية صارت جزءًًا عضويًّّا من بنية الضربة لا ملحقًًا تقنيًّّا بها؛ إذ يمكن للهجوم الرقمي أن يضاعف أثر الاســتهداف الحركي، أو يســبق الضربة لتهيئة الارتباك، أو يرافقها لتعطيل الاستجابة، أو يلحق بها لتوسيع دائرة الشلل داخل القطاعات الحيوية. فاســتهداف شــبكات الاتصالات، والقطاع المالي، ومراكز البيانات، وأنظمة التحكم الصناعية، ومنصات التشــغيل المرتبطة بالطاقة والمياه والموانئ، يمكن أن ينتج أثرًًا إستراتيجيًّّا بالغًًا من دون تدمير مادي واسع، لأنه يمس قدرة الدولة على إدارة الأزمة،

Made with FlippingBook Online newsletter