العدد 31

| 96

الدفاعيــة مع القوى الكبــرى، غير أن حروب الإغراق تفرض منطقًًا عملياتيًّّا مختلفًًا يقدم الملاءمة على الفخامة، والاســتدامة على الاستعراض، والتكامل على التراكم، والجاهزية اليومية تحت الضغط على مجرد امتلاك الأحدث في الســوق العسكرية. ومن ثم يصبح معيار القوة مرتبطًًا بقدرة المنظومة على الصمود والعمل المتواصل، وتوزيع طبقات الدفاع وفق كلفة التهديد، وتجنُُّب استنزاف الاعتراضات الباهظة في مواجهة وسائط منخفضة الكلفة ومتكررة. وتتصل بهذه الإشــكالية مسألة الدفاع الســلبي، وهي حلقة أساسية في بناء الصمود الدفاعي الحديث. فالدفاع النشــط يقوم على الرصد والاعتراض والاشتباك وإسقاط التهديد قبل وصوله إلى الهدف، أما الدفاع الســلبي فيقوم على التحصين، والتمويه، والتوزيع، والتكرار، وبناء المسارات البديلة، وتقليل قابلية الأهداف الحيوية للتعطيل. وقــد أثبتــت الحروب الحديثة أن الصمود يبدأ قبل لحظة الاعتراض، لأن المنشــأة الحساسة تحتاج إلى تحصين أو بديل تشغيلي، والشبكة المعرضة للتعطيل تحتاج إلى مسار احتياطي، ومركز القيادة يحتاج إلى بنية موزعة، والمخزون الحيوي يحتاج إلى انتشار آمن، والخدمات الأساسية تحتاج إلى خطط استمرار واضحة وتمرن مؤسسي مســبق. وبهذا المعنى يصبح الدفاع الســلبي جزءًًا من الردع نفسه، لأنه يقلِِّل العائد المتوقََّع من الهجوم، ويمنح الدولة قدرة على امتصاص الضربة واســتعادة التشــغيل بسرعة، ويحول دون انتقال ضربة محدودة إلى شلل واسع في المرافق الحيوية، كما يخفف العبء عن منظومات الاعتراض التي يصعب إبقاؤها في حالة تشــغيل دائم أمام موجات كثيفة ومتكررة. وتبرز في هذا الموضع مســألة حماية البنية التحتية الحيوية بوصفها ركنًًا من أركان العقيدة الدفاعية، لا مجرد ملف فني تديره الشــركات المشــغ ِِّلة بمعزل عن التخطيط الأمني والعســكري. فقد أظهرت الحرب أن منشآت الطاقة والغاز والكهرباء والمياه والمطارات والموانئ والاتصالات أصبحت جزءًًا من مسرح العمليات، وأن استهدافها ينتج أثرًًا يتجاوز الخســارة المادية المباشــرة إلى الأســواق والثقة العامة وسلاسل الإمــداد وصورة الدولة وقدرتهــا على إدارة الأزمة. وحين تكون ضربة واحدة على منشــأة طاقة قادرة على إحداث أثر اقتصــادي عالمي، كما ظهر مع اضطراب إنتاج منشــأة رأس لفان في قطر وانعكاســه على أســعار الغاز عالميًًّا، تصبح حماية هذه

Made with FlippingBook Online newsletter