العدد 8 – يوليو/تموز 2026

| 374

من ناحية أخرى، ومن حيث غايته، فإن الكتاب يحمل أبعادًًا أربعة تجعل من قراءته " بالقتل " تجربــة مركبة: فهناك البُُعْْد التحليلي، الذي يكشــف آليات إنتاج الترخيص َْبِْنِي جســرًًا معرفيًًّا بين ويُُخ ْْض ِِعُُها للتشــريح المنهجــي، وثمة البُُعْْد التربوي، الذي َي المواطن العادي وتعقيدات التضليل الإعلامي والضغط السياسي. وهناك البُُعْْد الجدلي ا مباشرًًا مع الخصوم، ويخوض سجالًا " الإنكار الموسع " الصراعي، الذي يُُهاجم بنية أما البُُعْْد الأخلاقي الوجودي، فهو يَُُح َِّوِل القراءة إلى موقف ويجعل من المســتحيل البقاء متفرج ًًا، واضعًًا القارئ أمام مســؤوليته الأخلاقية. وهذا الجانب الأخير هو ما يُُثير الجدل الفلســفي الأعمق حول الكتاب: هل يمكن للمحلِِّل السياســي أن يكون هنا، كما يقترح " الحياد " أم أن " موضوعيتــه " بهــذه الدرجة دون أن يََْفِْقِد " م ـ ًا � ملتز " بونيفاس ضمنيًًّا، هو شكل من أشكال التواطؤ مع الجلاد؟ والكتاب يتبنََّى بقوة الخيار الثاني، بمعنى أن عدم الاختيار في هذا السياق هو اختيار لدعم الوضع القائم، وهو لا يصــدر طــرح بونيفاس من فراغ فكــري أو تاريخي. فهو يقــع في مفترق طرق كـ َب يجمع بيــن أربعة تيارات كبرى من النقد الغربي المعاصر. وسيُُســاعد فهم � مر هذه الجينيالوجيا على تقدير عمق الكتاب وحدوده في نفس الوقت. وتحديثه: يمكن القول: إن بونيفاس " المثلث المشؤوم " مع نعوم تشومسكي- نقد ا ًا: أول يســتعير من تشومســكي النقد البنيوي لدور الإعلام والجامعة والمؤسسات الفكرية ) في 14 ( " صناعة الموافقة " في خدمة القوة. فقد أظهر تشومسكي كيف تعمل آليات المجتمعات الديمقراطية لخدمة أهداف الدولة، ليس بالقمع المباشر بل عبر الإقصاء ). ويقوم بونيفاس بتحديث هذا التحليل ليشمل شبكات 15 اللطيف للآراء المخالفة( تتم " صناعة الموافقة " التواصــل الاجتماعي والحرب الرقمية الحديثة، حيث لم َتَُعُد . لكنه " فيســبوك " و " تيك توك " فــي غرف التحرير فقــط بل من خلال خوارزميات يبتعد عن المادية اللســانية التشومســكية، التي ترى أن بنية اللغة تَُُح َِّدِد الفكر لَيََّتَج ِِه إلى التحليل الثقافي الأوسع كما رأينا. مع ميشــيل فوكو- الســلطة والمعرفة والخطاب: وهي الجينيالوجيا الفلســفية ثاني ًًا: الأكثــر عمقًًا وحضورًًا في الكتــاب، وإِِن كان ضمنيًًّا؛ إذ يَُُطَِّبِق بونيفاس نظرية فوكو بالضرورة لصالح المعتدي المتفوق عسكريًًّا. . الجينيالوجيا الفكرية: نقد الميتا-سردية 1.3

Made with FlippingBook Online newsletter