سرد الذاكرة
) ذكريات زمن البدايات ( مسؤول الأمن حمودة بن علي
المبنى أطلق عليه اسم «شارع الجوازات»، وما زال هذا الاسم ساريـا حتى اليوم من دون أن ينتبه أحد إلى أن اسم الشارع لم يكن كذلك، وأنه حتى الآن لا يوجد حتى لافتة واحدة تشيرإلى اسمه: شارع الجوازات، ولكن السكان تناقلوا جيلا بعد جيل اسم شارع الجوازات الذي لم يعد مبنى الجوازات الآن فيه، بل تغيرإلى شارع آخرلم يستطع أن يحمل اسم شارع الجوازات. وأعود بالذاكرة إلى الضباط والموظفين الأوائل الذين كانوا في ذلك المبنى. كان المديرالعام للتأشيرات والجوازات، والإقامة هوالأخ هلال سعيد الظاهري، بينما كان رئيس قسم التأشيرة المرحوم خلفان السويدي، ورئيس قسم الإقامة حميد علي سيف. وبحكم عملي الإعلامي، تعرفت ذلك الرعيل الأول، وجمعتنا صداقة حميمة، واكتشفت من هذه العلاقة مدى البساطة والتواضع في هؤلاء الشباب؛ فهم على خلق عظيم، ونزاهة تامة، وحرص على القيام بالواجب. برنامج الشرطة برنامج «الشرطة في خدمة الشعب» الذي قدَّمتُه في إذاعة أبوظبي جعلني ألتقي معظم ضباط الشرطة في ذلك 1971 في بداية عام الوقت، ولا تعجبوا، فالعدد كان قليلا فعلا كما هي الحال في معظم الدوائرالحكومية. على رأس هؤلاء الضباط، كان المرحوم حمودة بن علي الذي أصبح فيما بعد وزيرا للداخلية في دولة الإمارات العربية المتحدة. ولقد جمعتني بالرجل مناسبات كثيرة، وقامت بيننا صداقة حميمة سمحت لي بتعرف أبعاد شخصية
خليل عيلبوني كان الشعور بالأمن والاطمئنان يعم الجميع، وكل ذلك بسبب أولئك الرجال القلائل الذين حمَّلهم القائد المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان - طيّب الله ثراه - مسؤولية الأمن في إمارة أبوظبي، منهم: سمو الشيخ مبارك بن محمد، وحمودة بن علي. الآن، وعندما تعود بي السنوات إلى تلك الأيام الأولى التي عايشتها في أبوظبي، أدرك وبعمق لماذا يرتبط الإنسان عادة بمكان ما عاش فيه، وزمان محدد كان خلاله يعيش في ذلك المكان. بالنسبة إلي كان الزمن الجميل في عمري قد توقف في أبوظبي خلال فترة امتدت ما بين الأعوام .1980 و 1971 1970 لم تكن التأشيرة التي حصلت عليها في أواخر ديسمبر سهلة أوحتى ممكنة، خاصة أنني أحمل وثيقة سفرفلسطينية صادرة عن جمهورية مصر العربية، وفي وقت لم تكن فيه أبوظبي قد تحررت بعد من الحماية البريطانية. لقد بذل الأخ مفيد مرعي جهودا كبيرة لإصدار تلك التأشيرة التي ساعده فيها الأخ حنا سعادة، ولقد كانت تلك التأشيرة التاريخية بالفعل بداية مرحلة جديدة مختلفة تمام الاختلاف عن مراحل حياتي السابقة. ولقد أدركت مدى أهمية تلك التأشيرة عندما تم التعاقد معي من قبل وزارة الإعلام والسياحة للعمل في إذاعة وتلفزيون أبوظبي؛ إذ أصبح من الضروري تغيير تلك التأشيرة من زيارة إلى عمل، ومغادرة أبوظبي لإنهاء الزيارة، والعودة بتأشيرة العمل. مبنى الجوازات كان مكتب إصدار التأشيرات، ومنح الإقامة، وإصدار جوازات سفر المواطنين عبارة عن مبنى صغير يتألف من ثلاثة طوابق؛ أرعضي ودورين، ولا يزيد عدد العاملين فيه على خمسة عشر موظفـا وضابط شرطة. لم نشعرفي ذلك الوقت أن المبنى صغير أو أن عدد العاملين فيه قليل، بل كنا نعد ذلك المبنى من أهم الصروح المعمارية في أبوظبي، إلى درجة أن الشارع الذي وقع فيه
1974 أبوظبي في عام
1971 كورنيش أبوظبي وقت قيام الاتحاد عام
ذلك الضابط الذي قدَّم لبلاده أجود الخدمات وأروعها، وبكل بساطة ومن دون استعراضات إعلامية. كان حمودة بن علي - رحمه الله - يتحاءشى الظهور الإعلامي، ويبتعد عن كاميرا التلفزيون وميكروفون الإذاعة، لا خوفا ورهبة بل تواضع وإنكار للذات. ولكنه كان يصل الليل بالنهارفي عمل دائب أُسوة برئيسه سموالشيخ مبارك بن محمد آل نهيان للحفاظ على أمن الإمارة، ونشرالاستقراروالأمان فيها. ولا أزال أذكركيف كنا نفتخرخلال زياراتنا لبعض الدول العربية بمستوى الأمن الذي تحقق في إمارة أبوظبي، وكيف كنا نطرح أسئلة تبدو غريبة وغير معقولة: «هل هناك مكان آخر في العالم غير أبوظبي تضع فيه سيارتك وهي مفتوحة الأبواب، وطوال الليل والنهاردون أي خوف أووجل من سرقتها؟ هل هناك مكان آخر في العالم غير أبوظبي لا تهتم حتى بإغلاق بيتك عليك ليلاً؟ هل هناك مكان آخرفي العالم غيرأبوظبي تسيرفيه بالشوارع بعد منتصف الليل بكل أمان واطمئنان؟». قاسم مشترك ومن خلال لقاءاتي بحمودة بن علي - رحمه الله - اكتشفت أنه يميل إلى الشعر، وكان يطلب مني دائمـا أن أُسمعه بعض قصائدي.. إلى أن سَمّعته يوما يلقي على سمعي إحدى قصائده النبطية. وهكذا، كان الشعر: نظمه، وإلقاؤه، وسماعه.. قاسما مشتركا بيننا. وقد استمرت صداقتنا حتى كان ذلك اليوم الرهيب الذي سمعت فيه ، وما زالت مرثية 2001 نبأ وفاته، كان ذلك في الثامن من سبتمبر معالي الدكتور مانع سعيد العتيبة المستشار الخاص لصاحب السمو رئيس الدولة في الرجل تتردد في فكري وقلبي، أعود إليها حينما أتذكر ذلك الرجل الذي كان صديقا للجميع، وأردِّد مع
ْالدكتور مانع: لمـاذا أرى الحـزن يبني سـدودَه أمـام دمـوعـي وينفــــــي وجــــــــــــــودَه يقـول: وداعـا وداعـــــــــا حـمـودَهْ؟ أَأُنْكِـُرحـاجـــــــــــــة عينــــــــــــــــــي لدمـــــــــع ْ رفيـق خطـــــــــايَ، صديـق صبـاي وصـاحـب روح الوفـاء الـودودَه ْ معا نحن عشنـا هنـا فـوق رمـل عـرَفْنـا نـداه العظيـم وجـــــــــــــــــودَه ْ وسِـرْنا معـــــــــا فـي ركـاب زعيــــــــــــــــــم وكنـّـــــــــــــا بكـــــــــل اعتـــــــــزاز جنــــــــــودَه ْ وهـا أنت تمضـي وحيـدا بصمت إلـــــى خـالــــــق تستحــــــــــــــــــق خلــودَه ْ إليـه تـعــــــود وقـد عشت تـرجــــــــو بلــــــوغ رضــــــــــــــاه وتـرعى حُــــــــــــــــــدودَه ْ ستبكــــــــــي عليـك عيــــــــــــــون رجــال رأت فـيـك كـل الصفاتالحميدَه ْ ويذكـــــــــــرك القـوم فـي كـل ليــــــــــل تغضيء بـه الذكـريـات المجيـدَه فمثـــــــــــلـك يبقـــــــــى وإن مــات حيّــا بأفعــال خيــــــــــر تظـل شهــــــــــــــــــــودَه عاش حمودة بن علي حياته كلها في عمل دائب مستمر، وأعتقد أنه لم يسترح إلا في فراش الموت حيث سكنت الحركة، وتوقف المحرك وأغلق رجل الأمن والأمان عينيه إلى الأبد، وغاب حمودة في رمال بلاده التي عاش ومات من أجل أن تظل حرة تقوم فوقها دولة عظيمة هي دولة الإمارات العربية المتحدة. ما زال حمودة بن علي بالنسبة إلي حيّاً، أرى ابتسامته التي لا تفارق وجهه في كل محفل لأبناء دولة الإمارات العربية المتحدة أحضره أو أشارك فيه، وما زالت كلماته ترن في أذني: «ثِـق يا أخ خليل، لا يوجد أجمل من بلدنا الإمارات». تلك كانت جملته المأثورة، بعد كل زيارة يرافق فيها المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان - رحمه الله تعالى - اليوم، تتردد كلماته في روحي، وروحي تقول له: صحيح يا حمودة، لا يوجد أجمل من بلدنا الإمارات، ولا أوفى من رجالها، يا مَن كنت مِن أوفى الرجال إعلامي وشاعر
حمودة بن علي
خليل عيلبوني
105
104
2023 أكتوبر 288 / العدد
ذكريات زمن البدايات ( ) مسؤول الأمن حمودة بن علي
Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online