مجلة تُراث عدد 288 - أكتوبر 2023

جُلَساء التراث

أدوات الماعضي هي نفسها الفاعلة اليوم في حياة البشر، فإن حضورها كتابة يعول عليه لتنشيط الذاكرة الجماعية، ناهيك على التمييزبين استعمال الأدوات بين أمة وأخرى، كما هي الحال بالنسبة إلى السيف، ليس لأن تطور الحياة وتجددها في مختلف المجالات يفرض ذلك فقط، وإنما لأن وظائف الأدوات نفسها تنتقل عبرالزمان من جيل إلى آخرأيضاً، لتنتهي أوتظهرفي شكل جديد بناء على وراثة الأدوات الجديدة - خاصة القتالية - لغيرها من الأدوات السابقة. لا شك أن أداة السيف ارتبطت بثقافة أصحابها، واستعلمت في أحيان كثيرة تحت تأثيرالأيديولوجيا والعقيدة (الجهاد مثلاً)، فإن المفترض أن تغيب بانتهاء استعمالها، فما الذي يجعلها اليوم مجالا للكتابة والدراسة والبحث؟ في الدراسات والأبحاث التراثية، كما في هذا الكتاب، يبقى السيف حاضرا بقوته الذاتية من ناحية التعبير على مستوى الرمز والدلالة، محافظا على مكانته في التاريخ العربي، ولذلك تقول فاطمة المعمري، في حوار معها خارج مؤلفها، وإن كان في فضاء الحديث عنه: «السيف غاب كأداة قتالية، لكنه لا يزال حاضراً، فهو يسلم كهدايا شرفية، حتى أن هناك دولا ما زالت تقدمه هدية.. السيف لا يزال محافظا على مكانته التاريخية وقيمته، وأظن أنه سيظل محافظا على ذلك لأنه ينبع من إرث . وعلى أساس ذلك المد التاريخي من حيث ) 12 ( ثقافي ممتد» الوجود والقيمة، وليس الفعل، يمكن لنا قراءة هذا الكتاب، على خلفية ما أوردته فاطمة المعمري، حيث دفعها إلى ذلك، كما تقول: «أمران، أولهما ذاتي ينبع من كانت له الولاية في حياة العرب وأشعارهم وأسلحتهم بشكل عام والسيف بشكل خاص.. وثانيهما: دافع موضوعي هو أن السيف يمثل فترة تاريخية عظيمة، وتراثا .) 33 تاريخيا متوارثا اقترن بالعزة والإباء والقوة»(ص كما يمكن لنا فهم ما جاء فيه من خلال التزام الكاتبة بتحقيق إجابة للإشكالية التي طرحتها، وتأسست على سؤالين، هما: ــ كيف اهتم الشعراء العرب بوصف السيف وأجزائه، وبيان أثره وفعله؟ ــ كيف وثّق العرب في شعرهم ونثرهم تاريخهم وموروثهم المرتبط بالسيف؟ لقد تمكنت الباحثة من تقديم إجابة مستفيضة وشاملة للسؤالين السابقين، بداية من طرح المصطلح وانتهاء بالوصول إلى النتائج، فلو أخذنا على سبيل المثال: الوجود الاصطلاحي للسيف على مستوى المعاجم العربية، لوجدناها توصلنا بعد

بحث شامل ومؤسس مرجعيا إلى النتيجة الآتية: «حين نتصفح هذه المعاجم يلفت أنظارنا أن السلاح هوالمتصدرفيها، وهوما )، وعلى خلفية تلك 14 احتل مساحة شاسعة من الأدب» (ص المساحة نكتشف نشأة السيف وتطوره العمري، والمراحل التي مر بها، فقد صُنع أولا من الحجر أو الخشب أو العظم، ثم من النحاس والحديد والصلب، متخذا منها أشكالا مختلفة. سيفيّات المتنبي.. وزهور غرناطة تذكرالمعمري أن السيف عُرف عند العرب على أنه أداة أساسية للدفاع عن النفس والقتال ولازمهم في السلم والحرب، لذلك كثرت أسماؤه، وقد استندت في ذلك على ما جاء في تاج العروس من جواهرالقاموس لمحمد مرتغضى الحسيني: «السّيف الذي يُضرب )، لكن يعقوب بن 41 به معروف وأسماؤه تُنيف على ألف..» (ص إسحاق الكندي عدَّد - في رسالته» السيوف وأجناسها» - خمسة وعشرين نوعاً، وقد ضمنتها المؤلفة كتابها، غيرأن هذا لايعني أن شهرة السيف خاصة بالعرب، إنما هوموروث حضارات قديمة، وضمن أساطيرعالمية لا يزال تأثيرها الفكري قائما إلى يومنا هذا، وقد قدمت الكاتبة شواهد دالة من تاريخ الشعوب، مصحوبة بأسماء السيوف، وتاريخها، وبعضا من السيرالذاتية لأصحابها. للسيف في التراث العربي أسماء كثيرة، احتفظ بها الشعرودونها باعتبارها سجلا لكل ما يحدث، منها: «السيف، الأبيض، أصلال، الصيلم، عطّاف، الفيصل، المنصل، الصارم، الرداء، الخليل، القضيب، القضب، الصفيحة، المفقر، المأثور، المهند، الغمر، العقيقة، المتن، الحسام، الهندي.. وغيرها الكثير. ولم تكتف الكاتبة بذكر أسماء السيف وأوصافه، بل تناولت قضايا أخرى ذات صلة به أيضاً، من ذلك العبارات والأقوال التي كتبت على السيوف العربية، والسيف في الحكم والأمثال، وسيوف فرسان العرب وبعض صفاتها وحليتها بالذهب والفضة، وتوارثها، وتناقلها، مع ذكر أوائل السيوف، ومن لقبوا بالسيف من قادة العرب وأسيادها وعظمائها، وبعض الحكايات التي كان السيف فيها بطلاً، وغيرها من القضايا الأخرى ذات الصلة بالسيف، وكانت جزءا أصيلا من حياة العرب. ومن خلال عرض مفصل للسيف في حياة العرب، والإحاطة به، انتهت إلى النتائج الآتية: • وضوح الاختلاف الإبداعي بين الشعراء والأدباء في وصف السيف. • إن أجمل بيت راق لذائقتها الأدبية، بيت شعرعنترة بن شداد،

الذي ذكرناه في بداية المقال. • إن لسيفيات المتنبي وقعا خاصا في الشعرالعربي.

• إنه مع اختلاف المدن التي سكنها العرب، اختلف وصف السيف، فبعد جفاف الألفاظ التي ولدت من رحم الصحراء الحارقة، إلى عذاب الصفات التي تناثرت بين أزهارغرناطة وربيع المغرب العربي. • إن التراث الأدبي العربي استطاع وبقوة أن يعكس صورة السيف وأهميته، وكيف اهتم به العرب، سادتهم وعشائرهم. • لا يزال السيف، بفضل ما أعطاه الأدب من قيمة، إضافة إلى قيمته الفعلية، يحتفظ حتى اليوم بمكانة رفيعة المستوى، حيث لا يزال يرمز للفارس والقوة والحكمة، فهو يُقدّم باليد اليمنى إجلالا له، ويُهدى للعظماء تيمنا بقدره. • رغم أن النثرصوّر السيف فإن الشعركان المتصدروالأقوى في وصفه، والحفظ على هيبته. • ربط الشعرالسيف بكثيرمن الصور البلاغية بعيدا عن معناه الحقيقي، مثل ربطه بصورة الحب والجسد والكثير من الصور الأخرى. • لم يستخدم النثرالسيف بصورته العسكرية إلا ما ندر. • لسهولة حفظ الشعر وتداوله فقد وصلنا الكثير مما قيل في السيف عوضا عن النثر، ولذلك ربما ضاع منا من السيف ما لم يُدوّن. تلك أهم النتائج، التي انتهت إليها الدكتورة فاطمة المعمري، بعد الطواف الزماني لمدة تجاوزت ألفي عام، والمكاني حيث التجوال في بوادي العرب وصحاريهم، والحضاري المكون من مراكز وحواضر الملك والسلطان، والأدبي، الذي أعلاه الشعر وأدناه الأمثال، الأمر، الذي يجعل من هذا الكتاب مرجعا مهما وأساسيا لكل باحث في هذا الموضوع كاتب وصحفي من الجزائر الهوامش والمراجع: - للدكتورة فاطمة المعمري عدد من الكتب في هذا المجال، منها: «همس الربيع 1 ، و«الخامس من الغياب، 2008 »، و«الإمارات في قصائدنا، 2008 - ديوان شعر، »، و«حب 2017 »، و»صديق في كومة قش، 2016 »، و«حب من نوع فاخر، 2015 .» 2019 على هيئة بريد، - أحمد علي البحيري، قصيدة متفائلة للإماراتية فاطمة المعمري في ديوانها «همس 2 ).. الرابط: 2011 /11 / 21 الربيع».. جماليات التنافر، (منتديات المفتاح، https://www.almooftah.com/vb/showthread.php?s=527c829e5ed644f 0c537db86b468f9f0&t=34694 ــ يقول أحمد البحيري في قراءته لديوان «همس الربيع» للشاعرة فاطمة المعمري: 3

الديوان يحمل ذائقة شعرية مختلفة على مستوى المضمون ومرونة الشكل والاهتمام بالمشهد اليومي والمشاعرالإنسانية، والتنبّه إلى أهمية التفاصيل ورصد الحالة الداخلية، وبخاصة لدى المرأة، ما يجعل العشرين قصيدة التي نظمتها المعمري حاضرة في ذهن القارئ المعاصر.. المرجع السابق، أعلاه، بتصرف. - طالع: فاطمة المعمري، شغف القراءة: عادات قرائية إماراتية، (وزارة الثقافة 4 . 2016 والشباب وتنمية المجتمع، أبوظبي - الإمارات) - طالع: د. فاطمة المعمري، التنوع الثقافي: دراسة سوسيو نصية في الرواية 5 . 2021 الإماراتية (دارقهوة للنشر، دبي - الإمارات) ــ طالع: فاطمة المعمري، السلاح في الشعرالجاهلي: أبعاده الاجتماعية والنفسية 6 . 2012 (وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع - أبوظبي)

- المرجع السابق نفسه، بتصرف. 7 - المرجع السابق نفسه، بتصرف. 8

- شاهد حوارد. فاطمة المعمري مع الكاتب خالد عمربن ققه، في برنامجه «ءشيء 9 ) - كيف نعيش الحب مشاعروإبداعاً؟.. وكيف يعود زمانه؟ على 40 يذكر» الحلقة الـ ( ... الرابط: 2023/ ‏ 07/ ‏ 25 اليوتيوب، بتاريخ https://www.youtube.com/watch?v=N9i8XMWK418 - من معلقة الشاعرعنترة بن شداد العبؠسي. 10 - شاهد حوارد. فاطمة المعمري مع الكاتب خالد عمربن ققه، في برنامجه «ءشيء 11 )، المرجع السابق نفسه، بتصرف. 40 يذكر» الحلقة الـ ( ــ المرجع السابق نفسه، بتصرف. 12

117

116

2023 أكتوبر 288 / العدد

قراءة في كتاب «فاطمة المعمري» «السيف في حياة العرب».. «حب» في الشعر و«عنف» في النثر

Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online