مجلة تُراث عدد 288 - أكتوبر 2023

جُلَساء التراث

عنترة.. عنف.. وحب وبالعودة إلى كتابها عن السلاح - وهوثالث مؤلفاتها - تعيدنا أوتدعونا فاطمة المعمري إلى طرح تساؤل مثَّل لديها إشكاليَّة بحثية، وقد ذكرتْه في سياق حديثها عن السلاح: «التساؤل الذي يطل علينا برأسه هو: لماذا كان هذا البدوي ملازما لسيفه أو رمحه أو ترسه؟ ولماذا أدخلوا هذه الأنواع المختلفة من السلاح في حياتهم اليومية حتى أتت

الحديث عن الحب والعنف، يقودنا إلى السؤال الثاني، الذي سيطر على ذهني حين هممت بقراءة وعرض كتاب «السيف عند العرب»، وهو: هل من جدوى للكتابة اليوم عن السيف في تاريخنا، أوحتى الاطلاع على ما أُلّـف حوله خلال عصرتغيّرت فيه وسائل الدفاع على الأهل والشعوب والأوطان؟ وجاءتني الإجابة عن هذا السؤال من الكاتبة أيضاً، وذلك في إطار المقارنة بين السيف كأداة للعنف عند الضرورة، والحب كفعل بشري مطلوب، بل وضروري في حياة البشر، وما يتضمناه معا من وجود وتفاعل على مستوى القيم، وربما لهذا أعدّت كتابها عن السيف في حياة العرب. تقول الدكتورة فاطمة المعمري، إجابة عن أي رسائل وصلتها من دراستها لموضوع السيف: «الحديث عن السيف في تاريخنا العربي أمر جميل، والسيف هو نفسه مثل قصة الحب، ورغم قسوة السيف وشدته فإن له دلالات كثيرة، منها: أن له دلالة عن العدل، وعن المروءة، وعن الشجاعة، وعن الكرم أيضاً، فلولم يكن هناك سيف لما نُحِرت النوق.. السيف إذن عالم جميل جدا ورائع، وظّفه العرب بطريقة ممتعة وكثيرة، وأحب أن اقرأ عنه . ) 11 ( دائماً» زَهْو الماضي.. هديّة الحاضر وبالعودة إلى الكتاب، الذي يُعتبر مرجعا شاملا متميزاً، يضاف إلى كتب كثيرة تحدثت عن السيف في تراثنا العربي، فإنه يعيد تذكيرنا بأهمية السيف في حياة العرب قديما على مستوى اللغة والأدب والتاريخ والفنون، وكل مجالات التراث بشكل عام، لكن كل هذا لا علاقة له بالقوة، وأدواتها وتوزيعها، الأمر الذي يجعل منه مجرد حفظ لدوره في الماعضي، أو تذكره من باب سعة الاطلاع، وهنا يمكن التعويل على متعة المعرفة أكثر من توظيفها في حياتنا. وعلى الرغم من أنه ليس من المطلوب أن تكون

؟ ) 7 ( أمثالهم بهذه الألفاظ منها (سبق السيف العذل) و(قوس حاجب) وقد قدمت المؤلفة إجابات للسؤاليْن السابقيْن، ولغيرهما من الأسئلة الأخرى، في معالجة علمية مدعومة بالمراجع، تناولت فيها مفهوم السيف بمسمياته العربية المختلفة، وأبعاده النفسية والاجتماعية، كما تجلى في فترات الحرب والسلم والثأر والحب والترحال والصيد والأخلاق والحكمة، مستشهدة ومستعينة بقصائد شعرية مختلفة، أوصلتها إلى نتائج مهمة، وعمَّقت من رؤيتها البحثية في مجال اهتمامها، ومن بين النتائج الأولية التي انتهت إليها هي: «أن الحياة القاسية التي عاشها البدوي كانت سببا رئيسيا في تمسكه بالسلاح، حتى إن مشاعر البدوي تجاه فرسه . ) 8 ( وسلاحه كانت حميمة، واتخذه رمزا تنطوي تحته معان كثيرة» المستوى الثاني: عملي، وجاء عبرحوارمباشرمع الكاتبة، حيث «رأت أن الحب يتطلب العنف أحياناً، وهناك حب في جميع جوانب حياتنا، وحتى في الغضب نحب، وحتى عند اختلاف الآراء نحب، والأم تعنِّف ابنها لكنها تحبه، وعنترة يحمل السيف لكنه : ) 9 ( ٌيحب، بدليل قوله موجها خطابه لحبيبته عبلة» وَلَقَــــــــــــــــــــــد ذَكَرْتُـــــــــــــــــــــــك وَالرِّمَــــــــــــــاح نَـوَاهِـــــــــــــل مِــــــــــــــــــــــــــــنِّي وَبِيــــــــــــــــــــــــــــض الْهِنْد تَقْطُر مِن دَمِـــــــــــــــــــــي فَوَدِدْت تَقْبِيـــــــــــــــــــــــــــــــــــل السُّيُــــــــــوف لأَنَّــهَـــــــــــــــــــــا ) 10 ( لَــمَـعَــت كَـبَــــــــــــــــــــــارِق ثَـغْــرِك الْمُـتَـبَسِّــــــــــــــــــــــــــــــــــــم

قراءة في كتاب «فاطمة المعمري» «السيف في حياة العرب».. «حب» في الشعر و«عنف» في النثر

من»جلساء التراث». هنا أروي تجربة خاصة، أحْسبها عامة من حيث طرحها النظري، حتى العلائقي الخاص بفئة الكتاب والباحثين، خاصة المنشغلين في التراث، وتتعلق بكتاب «السيف في حياة العرب» (الصادرعن اتحاد كتاب وأدباء الإمارات ومجموعة أبوظبي للثقافة والفنون، )، للكاتبة الإماراتية الدكتورة «فاطمة المعمري». 2018 حين عقدت العزم على قراءة الكتاب، سيطرعلى ذهني سؤالان، الأول: يتعلق بمجال الكتابة (المؤلفة)، فقد تساءلت محدثا نفؠسي: كيف لفاطمة المعمري أن تتناول بالبحث والدراسة موضوع السيف في حياة العرب؟ وقد عُرفت «بكتاباتها - شعرا حتى إن أحد النقاد قال عن ) 1 ( ونثرا - عن الحب، والدعوة إليه» ديوانها الأول - همس الربيع - وعنها، الآتي: «ثمة ديوان وشاعرة لافتان للانتباه، أما الديوان فيحمل عنوانا دافئا تفوح منه أنثوية هادئة، متزنة، ومتمردة في بعض المناطق، أما اسم صاحبة ، ) 2 ( الديوان فهي الشاعرة الإماراتية الواعدة فاطمة المعمري» كما قال: «إنها صاحبة ذائقة شعرية مختلفة، لما أظهرته من . ) 3 ( تدفق للمشاعرالإنسانية» وقد حصلت على إجابة السؤال السابق على مستويين، الأول: نظري ويخص بعضا من كتبها، وذلك حين عدت للبحث في مؤلفاتها، ويتعلق أساسا بتنوع مجالات الكتابة لديها، وإن كانت لم تخرج عن سياق الأدب ومضامينه، وقد شملت موضوعات ، ) 5 ( ، و«التنوع الثقافي» ) 4 ( أخرى، منها على سبيل المثال: «القراءة» ، وإن ظلت هذه الكُتُب قسمتها ضيزى مقارنة بكُتُبِها ) 6 ( و«السلاح» ّعن الحب، بأنواعه كلها.

خالد عمر بن ققه تأتي المساءلة في قضايا المعرفة ذات الطابع التراثي محمَّلة بتراكمها من جهة، وبمبلغ أصحابها مما أوتوا من العلم، وهو ما كان وسيظل قليلاً، من جهة ثانية، ومن جهة ثالثة بشوق ولهفة إليها في رحلة تطورها وعبورها المقصود والهادف نحو المستقبل، حيث التطويع لقضايا ماضوية وأخرى معاصرة. لهذه الثلاثية - التراكم المعرفي، والمبلغ من العلم، والشوق للمعرفة في الحاضر والمستقبل - تأثير عند التعاطي من التراث، قراءة وبحثاً، وحتى عند التطبيق، خاصة حين يتعلق الأمر بدراسة التراث الثقافي المادي، وعند حصول التأثير، ومن ثم الاستفادة منه، كلّه أوجلّه أومن بعض منه، على النحو الذي نقترب منه زلفى في كثيرمن الدراسات، يتشكل لدينا وعيا جديدا بقضايا التراث، أو على الأقل نقترب من فهمها، بما يتناسب أويتوافق مع المعطيات الجديدة. غيرأن ذلك كله معرض لاحتمال تصادمه مع أحكامنا المسبقة، بناء على ما توافرلدينا من معطيات، نحسبها كافية لإصدارحكم مسبق عن القضايا وأصحابها من الباحثين والكتاب، حتى إذا ما اقتربنا من أفكارهم ورؤاهم أكثروجدنا أنفسنا في حاجة إلى معرفة المزيد عنهم، عندها سنضطر إلى البحث عن سبيل يمكِّننا من تغليب اليقين عن الظن، بهدف الوصول إلى علامات دالَّة تبين الأوجه الأخرى، المجهولة بالنسبة إلينا، ومنها على سبيل المثال: معرفة مجالات البحث المختلفة لدى كتّاب هم بالنسبة إلينا

115

114

2023 أكتوبر 288 / العدد

قراءة في كتاب «فاطمة المعمري» «السيف في حياة العرب».. «حب» في الشعر و«عنف» في النثر

Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online