مجلة تُراث عدد 288 - أكتوبر 2023

سرد الذاكرة

على حواف الليل تنبت حكاية

شيخه الجابري والليل يعزف حكاياته النديّة، والقمر الناضج والهبايب الباردة، نسمات عليلة تداعب خصل المساء وتنثرالبهاء، ليس من عتمة إنها جلجلة الأقدام السائرة نحوالبيت، هناك حيث تتكئ حكايات على حافة ليل، وخروّفة تسترق البوح من أخرى، وصبايا فاتنات رائعات جميلات حشيمات، جدائل يضفّرها الحب، هبّات من ورس وبضاعة وياسمين، «عكفةٌ» هناك تُزّين رأس الجدّة التي انثنى عودها لتلتقط عكازا حنونا يرافق خطواتها الثقيلة، ءشيء ما يتسلل إلى الروح يبعث فيها الفرح، هل هي رائحة «قرص الضّو» الذي تعدّه أمنّا التي تحبها القرية كلها «فطوم» التي تدلل بهذا الاسم، وهي فاطمة، حركة تسري مع الليل، قلوب صغيرة تتأهب للكلمات، تريد لها أن تخترق السمع، حكاية جديدة في مفترق الوقت. «زهب القرص» هكذا صاحت «فطوم» هاتي الدبس يا عايشه، سوف تدق القرص ثم تخضبه بالدبس الذي اغترفته عايشة من «الخرس» القابع عند «البخّار» جاءت به يلمع كالذهب لتضيفه على القرص الذي يعتبرألذ فوالة في ليل الشتاء القارص، سوف تنقض عليه البنات وهن يستمعن إلى خروفة المساء المجلّل برائحة قهوة سيلانية معتقّة تغلي في «خمرة القهوة النحاسية» التي تضيف إليها لسعة من النكهة الفاخرة عند احتساء أول فنجان مسائي نابض بهدهدة المزاج العالي لتطلع القصائد وتتناثر موجات من الكلمات التي تصنع الفرح، وتنثر السعادة في القلوب الجميلة الدافئة الطّريّة. نتجمع في حلقة شبه دائرية في انتظار الجدة التي ستروي لنا خروفة المساء ثم بعدها تبدأ البنات بالتسلل للعودة إلى منازلهم ترافق الصغيرات منهن الناضجات كي لا يرعبهن الليل رغم أنه ما يزال بعد في منتصفه لكنها الحاجة إلى الرفيق والصديق والأنيس في الطريق، إن الحكايات التي ترويها الجدات وتتناقلها الصديقات هي مزيج من الخيال والأساطيريتم تداولها من جيل إلى جيل، وكم غيّرت حكاية من سلوك، وكم ألهمت خيال الشعراء والمبدعين في زمن كانت السماء بنجومها المتلألئة سميرهم، والبحرفي وحدتهم

أنيسهم الذي استنطق القصيد فكانت الأغنيات مراسيل المحبين والعشاق المغرمين. في الليل الذي احتشدت فيه الكلمات، وتبارت اللحظات، والانتظارات، والدهشة التي سافرت في رحابة الوقت تنبش عن خيط لحكاية، وتتبع أثرالأميروهو يبحث عن الفتاة التي انتزعت إعجابه، وذاك الحذاء الذي استقطع قطعة من قلبه وراح حراسه يجوبون المكان، يحملون قلبه على وسادة من حرير، يتهيؤون للوقوف عند كل باب منزل بحثا عن شاغلة قلبه وفكره ووعيه، والحكاية تعبر، والصغيرات ينتظرن بلهفة الختام السعيد ماذا سيحدث، هل سيجد الأمير ضالته، هل سيفرح وتعم السعادة أرجاء البلدة التي لم يشغلها سوى البحرعن سندريلا، تلك الخروفة التي كانت تُروى لنا واسمها «البديحة» تتقاطع التفاصيل وتتغير الأسماء وتبقى سندريلا التي سمعناها في ليل البلدة الساحرملك لكل الشعوب. في المساءات الندّية والقهوة تعطرالمساء برائحتها الزكّية تتسامر

النساء وتكبرالأحلام، وتتعلم البنات، ويتدرب الفتيان على القيّم وعلى السنع، وعلى التعاضد والالتفاف على التفاصيل الجميلة للحياة البسيطة السعيدة، كنّا صغارا لا نعرف سوى لغة الحب، ولم تختزل ذاكرتنا سوى تلك الأصوات الحبيبة التي انغرست في دواخلنا بحكاياتها الطالعة من عمق خيال، الذاهبة إلى مخيال شعبي يتسع باتساع المكان، والزمان، وحركة الإنسان الذي يسيربالحكاية من وطن إلى وطن، ليس للحكايا وطن بعينه، كل الأوطان حكايات تنبض بالحب، وبصوت جداتنا الحبيبات، تلك الأصوات التي راحت خلف الزمن، بعد أن خلّفت وراءها قلوب شفيفة مؤمنة، طريّةُ، وصداقات لامعة ما غيّـرها الزمان الذي لوّن كل ءشيء بعتمة لا نحبّها، من تعلّقت روحه بالصّراي والمخرافة والسرود والأسرة المتعاضدة المُحبة، ترهقه تفاصيل الحياة الجديدة والحكايات المصطنعة، حكاياتنا كانت أجمل في الزمن الأكثرإشعاعا ونقاء باحثة وأديبة من الإمارات

123

122

2023 أكتوبر 288 / العدد

على حواف الليل تنبت حكاية

Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online