سيمياء
خيل المتنبّـي.. لوحة سينمائية سيميائية
الفارس مُدجَّجا بها معاً، هاتفاً: «شَققْت به الظلماءَ»؛ أي شققْتُها بكوكبه المنير. إنه الخيل في الليل؛ أليس المتنبي نفسُه هوالقائل في موضع آخرَ: «الخيل والليل والبيداء تَعرفني»؟ ثم يَتلوعنصر اللون عنصر «الحركة». إنها حركة تَختص لنفسها بطائفة من العلامات (إدناء العِنان وإرخاؤه، طغيان الجواد ولَعِبه، مطاردته الوحوش وقتلهم، عدم تأثره بالعَدْوِ). وما ذلك » تَسمح له ) 3 ( كلُّه إلا لأن للجواد «فضلة عن جسمه في إهابه بسهولة الحركة بل بقوة الانقذاف في الفضاء «يَلعبُ» فيه أنّى شاء وشاء صاحبُه وراكبُه. وليس يَتعب هذا الجوادُ؛ فَهْو هُوَ، قبل الجَرْي وبَعدَه: «وأَنزِل عنه مثلَه حين أَركب». وخليق بنا أن نتصوَّر هذه اللوحة السينمائية للجواد؛ فهولا يَتصبَّب عرقاً، ولا يَلهث لهاثا ولا تَبدوعليه أَمارات الإرهاق، بل يَنضح شبابا ويَرشح حيويةً. وهي العلامة كذلك؛ العلامة التي اصطفاها المتنبي لتَكون مرآة راسمة عاكسة، يَتبدّى فيها المرسوم / الجواد وكأنه يَعدو أمام أعيننا، وفي أسوأ الأحوال كأننا نشاهدُه عبر شاشة التلفاز جَوّابا الآفاق الرحيبة «بصدره الرحيب». إنها قوة العلامة التصويرية في تحريك آلتها وهي تَجمع العلامات إلى بعضها شِلْوا شِلْواً، خالقة بها صورة سينمائية سيميائية تَأخُذ بألباب المتلقي وبصرِه، حتى لقد يَتماهى معها ويُمنِّي النَّفْس أن لو كان هو الممتطي صهوة هذا الجواد الزاخر بالعلامات الدالّة، الجاعل النَّفَس يَتصاعد مع تصاعد وتيرة سنابك الخيل وحوافرِها الحافرة الأرض والناثرة عَجاجا يُلْقي على العين الناظرة الرائية غِشاوة شَفيفة، لكنه عَجاج يُشغِّل العين الرُّؤيوية التي تتجاوز هذه الغِلالة الرقيقة إلى ما هوأعمق ثاو في دَوَاخل الخيل؛ وهذا ما سنقف عنده وقفة أطول. هي خيل أصيلة إذاً. هي خيل لا تَتعثّر براكبها، بل تَصِل به إلى مبتغاه، وتَبقى وفيّة له، فيَنزل عنها راضيا كل الرعضى مُغتبطا كل الاغتباط. على أن مثل هذه الخيول الأصيلة قليلة قلّة الأصدقاء الأوفياء ذوي المعادن الحقيقية: «وما الخيل إلا كالصديق قليلةٌ». فنحن هنا أمام منظومة قِيَميّة تَضرِب أطنابَها غائرة في أرض تاريخ العلاقات الصَّداقويّة التي دائما ما يَشتكي الإنسان من أنها عَرَضِيّة لا جوهرية، تَنقغضي بانقضاء أسبابها النَّفْعية. فالخيل الأصيلة الوفيّة «قليلة وإن كَثُرت في عَين مَن لا يُجرِّبُ». أمّا مَن جرّب الصداقة وعَجنتْه الحياة بِرَحى العلاقات فلا يَحمِلُه
عماد خلف
يقول المتنبِّـي: ُ ُوَعَيْنِـــــــــــــــــــــــــــــــــــــي إِلـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــى أُذُنَي أَغَـــــــــــــــــــــــــــر كَأَنَّــــــــــــــــــــــــــه
مِن اللَّيـــــــــــــــــــــــــــل بــــــــــــــــــاق بَين عَيْنَيـــــــــه كَوكَـــــــــــــــــــــــــــــــــــــب
ُلَــــــــــــــــــــــه فَضْلَـــــــــــــــــــــــــــة عَن جِسْمِـــــــــــــــــــــــــــه في إِهابِـــــــــــــــــــــــــــه
تَجِــــــــــــــــــيْء عَلى صَـــــــــــــــــــــــــــدْر رَحــــــــــــــــــيب وَتَذْهَـــــــــــــــــــــــــــــــب
ُشَقَقْــــــــــــــــــت به الظَّلْمَـــــــــــــــــــــــــــاء أُدْنِــــــــــــــــــــــــي عِنَانَـــــــــــــــــــــــــــه
فَيَطْغَــــــــــــــــــــــــــــــــــــى وأُرْخِيْـــــــــــــــــــــــــــه مِـــــــــرَارَا فَيَلْعَـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــب
ُوَأَصْـــــــــــــــــــــــــــرَع أَي الوَحْــــــــــــــــــش قَفَّيْتُـــــــــــــــــــــــــــه بِــــــــــــــــــــــــــــــــــــه
وأَنْزِل عَنْـــــــــــــــــــــــــــه مِثْلَـــــــــــــــــــــــــــه حِـــــــــــــــــــــــــــيْن أَرْكَــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــب
الشكُّ، قَيْد هُنَيْهَةٍ، في خذلان الأصدقاء. إنّها منظومة أخلاقية جاءت حِكمة على لسان المتنبي مَجْلُوّة بِمُدْية الزمن وتقلّباته، مادحا «كافور الإخشيدي» بعد أن عانى ما عانى في بلاط صديقه «سيف الدولة الحمداني» وغيرِه. فليس من عَجَبٍ، بَعْدُ، أن يقول في القصيدة نفسها مخاطبا كافوراً: «كأنّي بِمَدح قبْل مَدحِك مُذنِبُ»، كاشفا عن ذَنْبه المتأتّي من مدحِه الخِل والصديق غير الوفي؛ إذ كان المتنبي يَنتظر من سيف الدولة الآشيء الكثير، لا لآشيء إلا لأنه مَحَضَه حبّا خالصا وخَصّه بمدائح سوف تَظَل تُهَدْهِد آذان مُتذوِّقِـي الشعرالعربي الأصيل وتُشَنِّفُها ما بَقِي ديك الزمان يَصْدَح، بَيْد أن النتيجة كانت أن خرج المتنبي من بلاطه شبه هارب. ثم تأتي في ختام هذه الأبيات عبارة «فالحُسْن عنك مُغيَّبُ» السيميائية بامتياز، الحاملة دلالات جماليةً، لكنها ليست جماليّة ظاهرية، فهي من النوع الذي لا تَراه العين المكتفية بمشاهدة السطوح، بل تراه العين التي تَغوص في بَواطن الأشياء المَرئية وتَصِل إلى كُنْهِها، مُستجلية مَكنوناتِها القارّة في أعماق الأعماق. فانظر إلى المتنبي وهو يستعمل أولا «شياتها (ألوانها)» و«أعضاءها»؛ وهما علامتان بصرية وحركية، ثم انظر إلى استعماله «إذا» الشرطية المختصّة بالزمان المستقبلي؛ فإذا قَصَرْت «مشاهدتَك» على الرؤية البصرية من الآن فصاعداً، واكتفيت بالالتذاذ بمَرح الخيل ولعبها وحيويتها وحركتها فأنت، إذاً، قد فاتَك جوهر الحُسْن وغاب عنك بل «غُيِّبَ». ما هذا الحُسْن سوى حُسْن جُوّاني روحاني معنوي تَمتلكه الخيلُ؛ هو حُسْن يُعمِّق مفهوم الفروسية وما لها وفيها مِن حُمولات مَعنوية تَتمثّل في الشجاعة والشهامة والكَرم والمروءة وغيرها،
ُوَمَــــــــــــــــــا الخَيْـــــــــــــــــــــــــــل إِل ّا كَالصَّدِيــــــــــــــــــق قَلِيلَــــــــــــــــــــــــــــــــــــة
وَإِن كَـــــــــــــــــــــــــــثُرَت في عَـــــــــــــــــــــــــــين مَـــــــــــــــــــــن لا يُجَـــــــــــــــــــــــــــرِّب
إِذا لَم تُشَاهِــــــــــــــــــد غَـــــــــــــــــــــــــــيْر حُسْــــــــــــــــــن شِيَاتِهـــــــــــــــــــــــا
عماد خلف
) 1 (ُ وأَعْضَائِهــــــــــــــــــا فالحُسْــــــــــــــــــن عَنْــــــــــــــــــــــــك مُغَيَّـــــــــب أن تَسُوس العلامة الشِّعْرية إلى دلالات ثَرّة كما تَسُوس جوادَك إلى مِضماره، وأن تَقودَها غير جامحة كما تَقود جوادا غير شَموس، لا يَتأتَّى إلا لِـمَن خَبِر «الكلمة الشعرية» وهي تَتفتَّق دلالة تَعقبها دلالةٌ، وإلا لِـمَن خَبِر «الجواد الناضح شباباً» وهو يَشق غِمار الحروب والفيافي وما فيها من ريح وغُبار. إنه المتنبي؛ الخبير بأسرار العلامة الشعرية وأسرارالجواد الفتي البهي جميعاً، فيَتخيَّرمنها ومنه الأكثر جمالا والأينع خصوبةً؛ فإذا هولا يُلقي هذه العلامات على عواهنها، بل يُعْمِل فيها إزميل رؤيتِه الشعرية المائزة، فإذا هي تَرْفُل في إهاب قشيب ناصع البياض كجبهة جواده الذي «بين عينَيه كوكب». وغير خاف أن هذا «الكوكب» لا يكتفي بالإنباء عن نصاعة «اللون» وحدَه، اللون الذي نَقف عليه، أوّل ما نقف، في هذه الأبيات؛ أجل، نَقف عليه بعيوننا وبــ «عين» المتنبي؛ فهي أوّل كلمة يَفتتح بها أبياته قائلاً: «وَعَيْنِـي إِلى أُذُنَي أَغَر ... »؛ فالعين الباصرة هي التي تَلتقط الألوان وتُسْبِغ عليها ما تُسبِغ من التأويلات الثقافية المحيطة بها. فهذا ) 2 ( المبثوثة في بطن «الموسوعة» الجواد كأنه قطعة «من الليلِ» الدامس الحالك. وجَلي أن كلمة «الأغرّ» تُحيل إلى اللون الأسود الذي يُخالِطُه بياض مَوئِلُه الجبهة المستقرّة بين العينَين كوكباً. وهنا تَجتمع أكثر من علامة (العين، الأغر أوالأبيض والأسود، الأذن المنتصبة المستشعرة) لينطلق
كما يُرسِّخ مفهوم الصداقة الأصيلة بين الإنسان وجواده. ثم هو حُسْن استعاري لا يَقف عند حدود الخيل بل يَتجاوزُها إلى الحسن الكامن في دواخل الحيوانات الأخرى أيضاً. وقُل إن في مُكْنتِنا كذلك تأويلَه على غسْل عيوننا، نحن البشرَ، وتدريبِها على النظر بعمق في حنايا الأشياء وثناياها، وعدم الاغترار بحوامل الأشياء وحدَها، ولا الانجرار وراء أحكام القِيمة التي تُطلَق من غير رَويّة وتَدبُّرفـ «تُغيِّبُ» عنّا الجوهر والأصلَ. فالأصل أن نُنْعِم النظر بتُؤدَة وتَمهُّل حتى يَتسنى لنا الوقوف على المحمول وإخراجُه من بين تلافيف الكلمات أو الـمَرئيّات؛ مِن لوحة تشكيليّة رسمتْها أنامل فنّان مُندغِم بالفن وباعتزاله في كهوفه الـمَلأى بالأسرار، أو مِن لوحة هي مِن صُنْع الطبيعة تَكون مَرميّة على قارعة المكان بِرَسْم انتظار عين رؤيويّة تُسافر في مُنعرجاتِها الدِّهْليزيّة العامرة بالدلالات؛ وهذه هي وظيفة السيميائيات ووظيفة مَن يَتّخذها أداة مَنهجية في مقاربة مادّتِه وقراءتِها قراءة استنطاقية. نَعَم، هي وظيفة تَعَقُّب العلامة ومطاردتِها وهي تَمِيس مُتبخترة في إهاب التغنُّج والتدلُّل، وصولا ) أو Semiosis( بها إلى دلالات لا تَشْرَئِب برؤوسها إلا عبرالسِّمْيُوز سيرورة إنتاج الدلالات؛ حيث إن «كل واقعة تستند، من أجل
125
124
2023 أكتوبر 288 / العدد
خيل المتنبّـي.. لوحة سينمائية سيميائية
Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online