الحكاية الشعبية.. حاملة قيم الشعوب وتراثها
الحكم والأمثال في الحكايات الشعبية الإماراتية حفاظ على الخصوصية وصون للذاكرة
حمزة قناوي لفتت الحكاية الشعبية أنظار الباحثين على مختلف جنسياتهم عبر أنحاء العالم، إذ يتضح أن لها خصوصيتها التي تتعلق بالمكان دائماً، فلكل مكان - أو بالأحرى لكل مجتمع - خصوصيته، ورغم تشابه الثقافة العربية من المحيط إلى الخليج في روافدها الأصلية وفي قيمها الإسلامية ومحطاتها الثقافية العربية التاريخية من خلافة راشدية إلى دولة أموية ثم عباسية ثم عثمانية ودويلات وفاطمية وغير ذلك من الحقب التاريخية ذات المتغيرات المختلفة التي تتشارك فيها أغلب الدول العربية في مرورها بتجارب متقاربة تاريخياً، ومتقاربة في أحداثها، إلا أن الخصوصية تلعب دورها في الناحية الشعبية، فنجد على سبيل المثال اختلافا كبيرا في التراث الشعبي مقارنة بالتراث العربي الأسا؟سي، فهنا تظهر خصوصية المكان على نحو أكبر، وتوجِد لنفسها تمايزا فاعلا وحاضراً، بينما التراث الرسمي المدون بالعربية الفصحى لا تظهر فيه هذه الخصوصيات لأنه في الغالب على لغة قريش، أو يحمل سمات مدارس الكوفة والبصرة أو المدرسة المصرية، والفوارق هنا قليلة، أما التراث الشعبي فالفارق فيه كبيربين مكان وآخر.
. ولا أرى المسألة اختلاف مصطلح ) 1 ( في السودان فـ«الحجوة» بقدرما هي اختلاف خصوصية لكل مكان، بل إن التسمية نفسها التي تتخذها الحكاية الشعبية في كل مكان تسمية تعكس رؤية أفراد المجتمع لهذا النوع، وجانب خبرتهم في الحياة وحول الحكي أيضاً، فالحكي الشعبي والأمثال الشعبية هي مستودع الخبرة الطويلة التي مربها مجتمع من المجتمعات، وقد اهتم كثير من الباحثين بتدوين التراث الشعبي عبر العالم، وفي الفترة الأخيرة شهد الأمر اهتماما كبيرا في دولة الإمارات العربية المتحدة، فوجدنا عبد العزيز مسلم، يقدم كتابه «خراريف»، وعائشة خميس الظاهري «حكايات شعبية في مدينة العين»، وأحمد راشد ثاني «حصاة الصبر»، وعبد الحميد أحمد «خروفة»، وعائشة الزعابي «القصة الشعبية في الإمارات»، وعلي أبوالريش «رواية أم الدويس»، وهذا مثال للاهتمام بمحاولة توثيق الحكاية الشعبية الإماراتية والتفاني في جمعها لما تمثله من كونها تفاعلا اجتماعيا وتجاذبا فكريا ولغويا للجماعات التي تسكن منطقة معينة. ومن قصص الإمارات الشعبية التي تسطع شهرتها قصة، أو خروفة: «بديح بديحوه»، و«أم الدويس»، و«أبو رجل مسلوخة»، و«أبو كيس»، و«حمار القابلة»، و«الغولة»، و«العقيلي»، وغيرها من . ) 2 ( الخروفات الشعبية الإماراتية التي تتداولها وتتناقلها الأجيال والتراث الشعبي الإماراتي ليس حكايات فقط، فرغم كثرتها وتنوعها بين خراريف الليل وخراريف النهار، والجن والشياطين، وخراريف البطولات والشجاعة، وغيرها من الخراريف، إلا أن هناك جوانب أخرى مهمة من التراث الإماراتي أيضاً، ولا يمكن أن يتم إغفال دورها، من ذلك «الأمثال الشعبية»، وهي أداة مهمة من أدوات التراث الشعبي، يقول أحمد جمال عيد عن الأمثال الشعبية: «... المثل الشعبي تعبير عفوي، يعبر عن نتاج تجربة إنسانية ذاتية طويلة أدت إلى عبرة أو حكمة ما، وهو أشبه ما يكون بالرواية
الشعبية التي تحكي لنا قصة موجزة تسهم في تكوين ثقافة المجتمع وتكوين ملامح الفكرالجمعي لدى الشعوب، ولذلك نجد أن المثل الشعبي جزء أصيل من ملامح المجتمع كباقي عناصر ومكونات المجتمع المتعارف عليها من عادات وتقاليد وقيم أخلاقية وما إلى ذلك من مكونات، فالعادات هي أمور اعتدنا على القيام بها منذ الصغر، أما التقاليد فهي موروثات ثقافية ورثناها . ) 3 ( عن الآباء والأجداد تؤثرفي نشأة الإنسان...» هذه العبارات الصغيرة الموجزة التي تقال لتلخيص معان كبيرة في مواقف عديدة درع مهم للهوية، فهويتماهى مع الحياة اليومية ويندمج مع التعاملات، محتفظا بجريانه على ألسنة الناس؛ بما
لذا - من وجهة نظري - فإنني لا أعتبر لاختلاف مسمى الحكاية الشعبية بين مجتمع وآخر تضاربا في المصطلحات كما ينظر إليه بعض الباحثين، وإنما هو تعبير دال على تأثير المكان وعلى سمة أساسية من سمات الثقافة الشعبية ألا وهي الخصوصية المكانية والمجتمعية لهذا النوع من الإبداع الذي قد نجهل مبدعُه، ولكننا نعاين مقدار تأثيره. يقول مر؟سي الصباغ: «كما
اختلطت المفاهيم والتعريفات بين المصطلحات أيضاً، مما أدى إلى انتشارها في العالم العربي تحت مسميات مختلفة، ففي مصر تسمى «الحدوتة الشعبية»، وفي بلاد الشام تسمى «الحتوتة»، أما في الجزيرة العربية فــــ«السالفة»، وأما في قطر فـ«الحزاوي»، وفي الكويت «الخرافات»، وفي الإمارات «الخروفة والسالفة»، وفي تونس «خرف لي خروفة»، وفي العراق «السالفة والحجابة»، أما
17
16
2023 أكتوبر 288 / العدد
الحكم والأمثال في الحكايات الشعبية الإماراتية حفاظ على الخصوصية وصون للذاكرة
Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online