مجلة تُراث عدد 288 - أكتوبر 2023

الحكاية الشعبية ..حاملة قيم الشعوب وتراثها

ما بين الحقيقة والواقع المرأة بطلة الحكايات الشعبية

وكانت بطلة فيها، ففي حكاية «زوجة الطواش» نتابع كيف استطاعت بذكائها وحنكتها وطيبتها وثقتها بالله - عز وجل - أن تحافظ على حبها في قلب زوجها وأن تربي ابنها وابنا آخر ليس من صلبها دون أن يشعرزوجها بذلك، ولولا قوة ملاحظة زوجها لما كُشفت الأحداث، كما أن المرأة ظهرت هنا بأدوارعدة: فهي زوجة وأخت وأم حنون رؤوم، وكانت أدوارها مثالا عن الصفات الحميدة والجميلة والخلوقة، فهي لم تشعربالغيرة من أختها، وفي الوقت نفسه لم تقطع علاقتها بأختها على الرغم من أنها وعدتها بأن تُعطيها ولدها بعدما شعرت بحنين أختها وشوقها للأطفال، ولكن غيّـرت رأيها لطغيان مشاعرالأمومة التي كانت أقوى وكانت سببا في تغيير الأحداث. وحكاية «التاجر المحتال» التي ظهر فيها دور الجدة صاحبة القراروالنفوذ والرأي والقوة، فقد استطاعت أن تقنع ولدها السلطان بتنفيذ طلبات ابنه دون أن يجادلها، وأن يُطيع أمرها لثقته الشديدة بقرارتها الصائبة إيمانا بها ولأنه لا يستطيع أن يرفض لها طلباً، كذلك تطرقت الحكاية إلى كيفية الحصول والوصول إلى قلب التاجر حتى يقنعه بتزويجه ابنته الجميلة دون التطرق إلى الصفات الجميلة المتداولة ذاك الزمن مقتصرة بكلمة «جميلة»، كما أنها استطاعت أن تنقذ زوجها من كيد أخواته وأن توصله إلى برالأمان، وحكاية «بديحة بديحة»، ظهردور المرأة فيها ببطلتي الحكاية، الفتاة وزوجة أبيها وكيف استطاعت بمكرها أن تقنع الفتاة بأن تتزوج والدها، وبعدها شعرت بالغيرة وتبادلت الأدوار وأصبحت هي المسيطرة وبهذه الطريقة تغيرالوضع لدى الفتاة، فأصبحت حياتها صعبة وخادمة في منزل والدها وتعامل معاملة سيئة، لكن الأحداث انقلبت وأصبحت الفتاة «حمدة» سيدة وزوجة رجل طيب يحبها، وكيف ساعدتها السمكة التي هي بالأساس جنية بأن تتزوج وتعيش حياتها بهناء وسعادة، وكيف أن الله يكافئ عمل الخير بأحسن جزاء، كما تغيّـرحالهم إلى الأفضل وانتقم الله من زوجة الأب على ما فعلته بابنة زوجها وهذه الأحداث قريبة من قصة «سندريلا» العالمية. خروفة «أم الدويس» بطلتها امرأة أيضا لكن من عالم آخر، عالم الجن، وجهها جميل كالقمروطويلة القامة ورائحتها زكية، تغوي الرجال وتبهرهم، ويتبعها الرجال فتتحول إلى امرأة عجوز قبيحة كريهة الرائحة، فتقتلهم. لقد أسهمت الحكاية الشعبية باعتبارها فنا من فنون الأدب بكل ما فيها من أبطال، وبما تستمده من شخصية وتفاعل الراوي الذي يقصها أو يحكيها والتي دائما ما تكون الجدة أو الحكّاءة أو الحكواتية التي توقد جذوة الحكاية، بصوتها الذي يبث الدفء في نفوس

أحفادها وصغارها عندما يتحلقون حول موقد الحطب بما تزينه من مخيلتها الجامحة، في توضيح طبيعة الحياة السابقة، وأدوار المرأة في تلك البيئات المختلفة، وانعكاس طبيعة المجتمع في نظرته للمرأة التي كانت مقتصرة على الزواج والتضحية والجمال ومزيج ما بين الحب والمحبة والنميمة والكيد والإغواء، لذلك الحكاية بجلت الجمال وجسدته، فجاءت التناقضات ما بين الجمال والخير والكدح، والقبح والشر، بل يمكن القول إن الثقافة تؤنث السرد، وأن المرأة هيمنت على معظم القصص بتفاصيلها ومفاصلها، فهي الحاضرة والغائبة والبداية والنهاية، والمحرك الأسا؟سي في الأحداث، وأظهرت الحكايات الشعبية تصويرا دقيقا للمجتمع فهي أفضل وسيلة للتعرف على التغيرات التي تحدث في القيم المجتمعية، وكيف تطورت وتحولت لتعكس المجتمع الحالي وقيمه في يومنا الحاضر، وأصبحت المرأة اليوم طبيبة ومعلمة ومرشدة ورائدة فضاء، وهذا التغير الجذري في بنية الحكايات الشعبية يؤكد أن الثقافة يمكن أن تتغيّر نحو الأفضل لطرح النظرة البديلة لصورة المرأة في الحكايات الشعبية بأدوارها الجديدة باحثة من الإمارات

مريم سلطان المزروعي تُعد الحكاية الشعبية نوعا سرديا شفاهيا أنتجته الذاكرة الجمعية البشرية في سلسلة متصلة من التداول، وذلك لسعيها الدؤوب لفهم علاقة الإنسان بمنظومة الكون من حوله وبالأنظمة الثقافية الحاكمة لمجتمعه شأنها في ذلك شأن أشكال التعبير الشعبي المتنوعة مثل: الأساطير والملاحم والسير الشعبية والأمثال والألغاز، والنكات والأغاني الشعبية وغيرها. ولقد امتازت دولة الإمارات العربية المتحدة بتعدد بيئاتها البحرية والزراعية والصحراوية، وكذلك التداخلات والبحث عن مصادر الرزق والتنقل عبر شق البحار وبين ربوع الصحراء، ما كان سببا في زخم الحكايات الشفاهية والدمج فيما بينها والتي أخذت طابعا ممزوجا فيه نوع من الانسجام والتداخل مع ثقافات أخرى لها نتاجها السردي الشفاهي الذي أخذ أحد أشكال التعبير الشعبي أيضا في تلك القافات والبيئات، وبالتالي تُعد الحكاية الشعبية الإماراتية سجلا شفاهيا حافظا لتراث الآباء والأجداد منذ أقدم العصور تحكي عن علاقتها بالكون والعالم والمجتمع في أنظمته السياسية والثقافية والاجتماعية. فالحكايات الشعبية لها تأثيرها السحري على العقول، فقد أثرت الحكاية على أجيال وأجيال وتربعت على عرش خيالهم، ولا يزال صدى صوت الجدة في آذاننا على الرغم من مرورالسنين وهي تحكي لنا قصص ما قبل النوم، فالحكاية لها أبطال وأحداث ومواقف، وتؤدي دور المعلم والناصح، ولها دور تربوي فقد علمتنا على الأخلاق والصدق والعدل والأمانة والقيم الحميدة كالصبروالقوة والنضال والعشق والضمير، فعرفنا نحن والأجيال السابقة واللاحقة المتتابعة من خلالها معنى الخيروالشر، كما مزجت في أذهاننا ما بين الخيال والسحروالجاذبية، وما بين الواقعية بالخرافة والأسطورة، وأصبح لها مكانة وأهمية في ثقافة الأجيال والناشئة.

إن الحكاية الشعبية تناولت صورة المرأة بمختلف مواقعها ومسؤوليتها وأدوارها: الأم والأخت والزوجة والعمة والخالة وسيدة المجتمع وذات النفوذ، اجتماعيا وروحيا ونفسياً، ورسمت صورة واضحة لها، كما عكست الحكاية قدرة المرأة على تجسيد الحياة ووقوفها إلى جانب الرجل وأدرك الإنسان هذه الثنائيات، على أساس الترابط بين ثنائية الرجل والمرأة، فظهرت المرأة العاشقة التي يتقاتل الفرسان للفوز بها، وكذلك المرأة التي تضحي من أجل أسرتها وأبنائها، والأخت الكبرى المناضلة، وهي الحكيمة الصبورة والمحاربة، والأم المعطاء واليتيمة والكنة والضرة، وهي القاسية والشريرة والماكرة. وتناولت الحكاية جوانب عديدة وكثيرة وهذا يرجع إلى طبيعة البيئة التي ظهرت فيها هذه الحكاية وكيف تم تداولها حتى وصلت إلينا، الأم هي الأرض الخصبة المثمرة وهناك نوعان منها: الطيبة والشريرة، ففي جانب الخير عندما تتبادل المحبة مع طفلها والمودة وكيف إنها تحرس أبناءها وتدافع عنهم، وكذلك زوجة الأب التي تُظهرها معظم الحكايات متسلطة ظالمة، تحاول دائما التخلص من أبناء زوجها ومعاملتهم أسوأ معاملة، والضرائرفي أغلب الحكايات الشعبية، صورة قائمة على

الصراع والاستحواذ على الزوج، وكذلك تظهرالكراهية والمكائد الموجودة والمدبرة بينهن، ونادرا ما نجد العلاقة بين الضرتين طيبة وعلاقة ود واحترام ومحبة، وغالبا ما يكون الاضطهاد من الزوجة الجديدة التي تكون محبوبة أكثرمن قِبل الزوج، ويخضع لسيطرتها ويمتثل لأوامرها، على حساب زوجته الأولى وأبنائها، فالمرأة تتصف في عالم الأنوثة بكل ما تحمله من خصب وأمومة وجمال وسحر، كما أن المرأة تحال في بعض من الحكايات إلى مجرد رمز ارتبط بالأساطير، كحكاية «سلامة وبناتها»، وهناك بعض من القصص التي ركزت على جمال الوجه واشتراط الحكام أوالفرسان شروط معينة لاختيارزوجته كبياض الوجه والعيون الواسعة والشعر الطويل الكاحل السواد، والشجاعة، والحب الذي يمثل قيمة أساسية من قيم البشرية والذي ينزع الإنسان من وحدته القاسية الباردة، ليقدم له حرارة الحياة المشتركة الدافئة، والذي هوتجربة إنسانية معقدة، إذ يعد أهم حدث يمر في حياة الإنسان. في كتاب «الواري» للدكتور عبد العزيزالمسلم: تنوعت فيه الحكايات وركزت على أساطيرالبحاروخرافاتها، حيث كانت المرأة عنصرا فعالا في تحريك أحداث بعض الحكايات

63

62

2023 أكتوبر 288 / العدد

المرأة بطلة الحكايات الشعبية ما بين الحقيقة والواقع

Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online