مجلة تُراث عدد 288 - أكتوبر 2023

الحكاية الشعبية ..حاملة قيم الشعوب وتراثها

وأن يستطيع توجيه مسارات فكره نحو كل سلوك يتفق مع القيم والثوابت، والابتعاد عمّا دون ذلك. وقيادة الذات وفق هذا المفهوم هي أن يفهم الإنسان أنه على نفسه بصير، فيعي مواطن الخلل والزلل ويمتلك القدرة على تجنبها، وهو ما يحمل معناه: «ابعد عن الشر وغني له»، و«اتق تبقى»، و«سير بعيد وتعال سالم»، فالناجح من سارفي الحياة واعيا بحكمة المتبصر دربه، والواعي بمآلات الأمور، و«اللي ما يقيس قبل لا يغوص ما ينفعه الغوص عقب الغرق»، القارئ بإدراكه مسارات الاستقامة ومسارات التيه، ليتولى العقل، بهذه الصفات والمهارات والقيم التي تأتي من الداخل، توجيه أفكاره وسلوكياته، كما يقول المثل: «اللي يحط عقله في راسه يعرف خلاصه»، ففي ذلك المعنى الأعمق لمفهوم قيادة الذات التي يغنم بها الفرد السلامة في دروب حياته وتجاربه. ومما تعلمه الأمثال الشعبية الإماراتية الارتقاء بالذات إلى مدارج رفيعة المستوى من القيم الروحية، لبناء ذات مستقيمة، متمسكة بثوابتها الدينية والمجتمعية، بأن يكون الإنسان صافي النية سليم الطوية متوكلا على الله «صفي النية ونام في البرية»، فالنتائج ترتبط بالأسباب، ولذا يرتبط صفاء النية بمأمن الفرد في حياته، وليكون في سلام مع نفسه وغيره. ولأن القيم باب واسع لما يعرف في الثقافة الشعبية بالسنع، فإن أكثرما تحمله معاني الأمثال الشعبية الإماراتية هي حِكم أخلاقية تدخل بعمق في هذا «البناء»، بما تدعوإليه من الالتزام بالعادات والثوابت المجتمعية الأصيلة، التي ترتقي بالذات إلى مدارج السمو الأخلاقي والرفعة الإنسانية، سواء في تربية النفس حين تتعامل مع ذاتها كالقناعة «اللي ما يغنيه الرب تعبان»، و«اللي عيونه زينه يقدر يملي بطينه»، والدعوة إلى إعلاء الجوهر قبل المظهرلتعميق معنى جمال الأخلاق و«الزين مب من زانته ثيابه، الزين من زانت معانيه»، و«الرجال مخابر هب مناظر»، أو في التعامل معها ومع غيرها، كالدعوة إلى حسن الحديث مع الآخرين: «حلي لسانك تلقى جميع الناس خلانك»، والإيمان بأن عاقبة الخروج عن ذلك لن تكون إلا حصادا من جنس العمل «اخذت احسانك بلسانك»، والدعوة إلى حب الخير للغير إذ لا قيادة ولا سيادة لحسود «الحسود ما يسود». ومن مقومات بناء الذات في الأمثال الشعبية الإماراتية الدعوة إلى الصبروالمثابرة والجلَد على الحياة، إذ تحتاج الذات الإنسانية إلى ما تتهيأ به للسيرفي دروب الحياة الوعرة، والتعامل الحكيم مع تأزمات واقعها كي تتخطى أي عوائق تعترض مساراتها، حتى يستجمع الفرد قواه التي تحول دون ضعفه واستسلامه، وهو ما نقرأ معناه في «إذا ما طاعك الزمان

طيعه، حتى تصيرربيعه»، الذي يدعوإلى امتلاك الخبرة الحياتية والمعرفية اللازمة لتشكيل الذات في مطاوعة الظروف والتأقلم معها حتى يتمكن الفرد بمرونته من تجاوز التجارب التي قد تضعه في التبرم والانكسار، ويحمل المثل في الوقت ذاته توجيها سلوكيا ضمنيا بألا يستكين الفرد إلى هذا الواقع، وإنما عليه أن يعمل على محاولات التغيير. ويتفق مع هذه القيمة في بناء الذات المثل الشعبي «طول البال يهد اليبال»، الذي يدعوإلى الكد في المثابرة، والتجلد على الحياة، والتأني في مواجهة الصعاب لينتصر على عوائقها للوصول إلى أهدافه، وغيره من الأمثال الشعبية التي أنتجتها حكمة السابقين لتحيا في قريحة وذات اللاحقين، منها: «اركب الهزيل لين تلحق السمين»، و«الرحى ما تطحن إلا الرخو»، و«الحيلة غالبة القوة»، و«الضربة اللي ما تذبحك تقويك»، فجميعها أمثال يهدي معناها بشكل أو بآخر إلى بناء ذات صلبة أمام عوارض التجارب، بالمرونة والحيلة والمطاوعة والتحامل على اجتيازالمصاعب وصولا إلى الغايات، والإيمان بأن في الحياة تارات، وعلى الإنسان أن يرتغضي بتجلده هذا وذاك، بما يتفق مع المثل القائل: «إذا قبضت من العزقبضة فاقبض من الذل قبضات». واعتداد الفرد بذاته انعكاس لمدى الثقة في قدراته، والإيمان بقيمة الاتكاء على مهاراته والنهوض بأمره دون الصعود على أعناق الآخرين، وهوما نلمحه في العديد من الأمثال الشعبية الإماراتية التي تدعو إلى هذا المعنى في نهوض الذات بأمرها، وتحمُّل مسؤولية بنائها دون الاعتماد في ذلك على الآخرين، «فما حك جلدك مثل ظفرك»، وهومعنى تتكرر تجلياته في العديد من

قدرمهاراته «الصقرصقارلو بلايا سلاح». ومما سبق، يتضح أن ارتباط هذه الثقافة الشعبية بالإسهام في تكوين الفرد وجدانياً، وتنشئته تربويا وتوجيهه سلوكياً، يعكس أهميتها في تشكيل أخلاق المجتمع، وأثرها في تعزيزانتماء الشخصية لروافد ثقافتها المحلية والقومية كذلك، إذ «كلما زاد تعلق الناس بلغتهم، وأمعنوا في استعمالها، أكثروا تداول الأمثال، وكلما ابتعدوا عن لغتهم اضمحلت الأمثال حتى تختفي تماماً، ويستعاض عنها . ) 5 ( بأقوال ضعيفة وأمثال أجنبية» ومن جانب آخر، فإن هذه الأمثال التي تعكس حكمة البدوي، والواردة من بساطة الصحراء وصلابتها، تنتقل بأصالتها إلى هذا الواقع الحضاري الجديد، لتغرس في نفوس الأجيال قيما تأصلت بصدق تجاربها ونبل مقاصدها، ولتستقر في وجدانهم وتشكل إرثهم الباقي الممتد كاتب وأكاديمي مصري الهوامش: ، 2019 ، 1 . مجموعة من الباحثين، الأدب الشفهي العربي في ماردين، إسطنبول، ط 1 . 150 ص . مجمع اللغة العربية (إعداد)، معجم مصطلحات الأدب، د. محمود علي مكي 2 . 135 م، ص 2007 (تقديم)، مجمع اللغة العربية، القاهرة، . استند المقال في إثبات الأمثال الواردة به إلى: عائشة الغيص، الفصيح في الأمثال 3 م. 2020 ، 1 الإماراتية، حقوق الطبع محفوظة للمؤلف، ط . ينظر في ذلك: د. حنان جميل هلسه، الشخصية وبناء الذات، الآن ناشرون 4 بتصرف. 63 م، ص 2021 ، 1 وموزعون، عمّان، ط . د. عبد العزيز المسلم، أمثال السنع: باقة من الأمثال الشعبية الإماراتية، كلمن 5 . 24 م، ص 2020 ، 1 للنشر، الشارقة، ط

الأمثال، كما في «اللي ما يشيل القدح بيده ما يرتوي»، و«اللي ما ياكل بيده ما يشبع»، و«صبرك على نفسك ولاصبرالناس عليك». وفي الواقع أن هذه القيم التي ترسخها الأمثال في وجدان المجتمع، تأخذنا إلى قيمة أخرى، وهي الاجتهاد في الحياة وبناء الذات بالعمل، والأخذ بالأسباب بالكد والتعب «انت كد والرب يمد»، وترفعا عن سؤال الناس، وابتعادا عن طلب الراحة بالقول دون الفعل: «اتعب ابدانك ولا تتعب لسانك»، كل ذلك دعوة إلى أن يصنع الإنسان من تعب الكد ونصَب المشقة في العمل راحة يلقى بها ثمرة الاجتهاد «اخدم في الشمس وكل في الظلة»، كما يتفق مع ذلك دعوة المثل الشعبي إلى ألا يكتفي الإنسان بالعمل مجردا من الإتقان والتميز، وإنما يدعوه إلى أن يكون على

67

66

2023 أكتوبر 288 / العدد

بناء الذات في موروث الأمثال الإماراتية

Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online