مجلة تُراث عدد 288 - أكتوبر 2023

الحكاية الشعبية ..حاملة قيم الشعوب وتراثها

وتتناسب مع براءة الأطفال. فالأطفال لا يعرفون الكذب، وبالتالي فإن من يرغب في معرفة أسرارأي بيت فعليه أن يسأل أطفالها. وجاءت الحكاية الطريفة لتؤكد هذا المعنى وتجعل المثل يثبت في عقول الأطفال الذين يسمعون هذه القصة. والمثل الذي يقول: (اليَمِر يَخَلَّف رَمَادْ)، تقول قصته: «كَان شَيْخ القَبيْلَة رَجُلا كَرِيماً، وَكَان جَميع مَن يَمُر بِخَيْمَتِه يَدْخُل لِيَتَناوَل وَجْبَة الضَّيَافَةِ، فَمَجْلِسُه مَفتوح على الدَوَامِ، وَالنَّار مُوْقَدَة لِيْلا وَنَهَارا لِطبخ الطَّعَام أو صُنْع القَهْوَةِ. وكان لَدَيْه ابن خامِل بَخِيلٌ، عَكْس أَبَيْه تَماماً. حيْنَما مَات الشَّيْخ أَصْبَح ابْنُه شَيْخ القَبيْلَة فَلَم يَسِر سِيْرَة أَبِيْهِ، ولم يَفْتَح مَجْلِسَه لاسْتِقْبال الضُّيوف، وكان طَوال الوَقْت يَنَام في الخِباء أو يَذْهَب إِلَى الصَّيْدِ. ذات صباح مَر عَلَى الخَيْمَة نَفَر من البَدْو الرُّحْلِ، فَلَم يَجِدُوا أَحَداً. سألوا عن الشَّيْخ فَأَخْبَرَهُم النَّاس عَن وَفَاتِه وَعَن سِيْرَة ابْنِهِ. حيْنَها هَمُّوا بالخروج من الخَيْمَةِ، إلا أن أحَدَهُم تَوَقَّف عِند مَكَان أَثَر النَّار التي كانَت مُوْقَدَة دائما فَرَأَى رَمَادا بارداً، فَأَمْسَكَه بِيَدِه وَقَال وَهُو يَنْظُر إلى مكان الشَّيْخ الفَارِغ في صَدْر الخَيْمَةِ: (اليَمِر .» ) 4 ( يخَلَّف رَمَادُ) وهنا نجد الكاتب يحسن الربط بين مفردات المثل أيضاً، وهي الجمر والرماد، والقصة التي تخيلها، فكما أن الجمر قد أصبح رمادا في مجلس الشيخ الراحل، كذلك كان ابنه كالرماد بالنسبة لأبيه الذي كان متقدا كالجمر. والمثل الذي يقول: (القَطَو العُود مَا يَتَرَبَّى)، تقول قصته: «كَثِيرَة هى المَرَّات الَّتِي نَصَح فيها أهْل الحَي سُعَيْدَان أَن يُؤَدَب وَلَدَه مَسْعُوداً، ويُتَابِع تَصَرُّفَاتِهِ، ويُقوّم أخْلاقَهُ. لكِن سُعَيْدَان كَان يُصِم أُذُنَه عَن هَذِه النَّصائح ولا يُلْقِي لهَا بالاً؛ فَحُبُّه الشَّديد ل َاَبْنِه كَان يَمْنَعُه مِن ضَرْبِهِ، أوتوبيخه، أوحتَّى مُجَرَّد نُصْحِهِ. وحين يُلِح عليْه أصْحَابُه في أهميَّة النُّصْحِ، كَان يَقولُ: إِنَّه ما زال صَغِيراً، وغدا يَكْبُر ويَفْهَمُ. ومرت السنونُ، وَكَبُر مَسْعُودٌ، لَكِن تَصَرُّفَاتِه لَم تَتَغَيَّر، بَل ازْدَادَت سُوْءاً، ولم يَعُد والِدُه يَستطيع السَّيْطَرَة عَلَيْه أونُصْحَهُ. ذَهَب سُعَيْدَان إِلَى أَصْحَابِه لِيُرْشِدُوه إِلَى أَفْضَل طَرِيقَة لِلتَّرْبِيَةِ، فَقَال لَه أحدهم: «القَطَو العُود مَا يَتَرَبَّى»، وَكَذَلِك فَإِن الشَّخص الكَبِير الفَاسِد الذِي بَلَغ سِن الرُّشْد مِن الصَّعْب أن . ) 5 ( تُعاد تَرْبِيَتُه وتَعلَيْمُه مِن جَدِيدٍ» وهنا نجد الكاتب قد اختارقصة فيها قيمة تربوية للأطفال، تبيّـن لهم أن التربية في الصغرمهمة، لأن التقويم في الصغرأسهل وأكثر ثباتا واستمراراً. وجاءت القصة مناسبة لمعنى المثل وشارحة للمواقف التي يُستخدم فيها.

الأُم وهِي تَنْظُر إلى ناقتها وهي تَحْنُو على صَغيرِها الحُوَار الَّذِي . ) 6 ( يَتَقَلَّب تَحْت أَقْدَامِهَا ثُم قَالَتْ: (الحوار مَا تَضِرَه دُوسَة أُمَّه)» ونجد الكاتب قد شرح معنى كلمة الحوار بقوله على لسان الأم: «أُحِبُّه كما تُحِب النَّاقَة صَغَيْرَها الحوار»، فيعرف الطفل أن المقصود بالحوارهوصغيرالناقة. كما أحسن ربط مفردات المثل بموقف الأم التي تحب ابنها كما تحب الناقة حوارها، وجعلها تنطق بالمثل وهي تنظر إلى الناقة وهي تحنو على حوارها، فجاء كل ذلك مناسبا لمعنى المثل، وشارحا لتشبيه قسوة الأم على ولدها بوطء الناقة لحوارها، دون أن يؤذيه ذلك، ودون أن يكون دليلا على عدم حبها له. وهكذا رأينا كيف استطاع الكاتب الدكتور علي الحمادي، صياغة قصص وحكايات جميلة ومسلية للأمثال الشعبية الإماراتية،

تقربها من أذهان الأطفال وتبسط لهم ما تحتويه من حكمة وعبرة، وتجعلهم يحفظونها ويرددونها في المواقف المماثلة

شاعروباحث من الإمارات

الهوامش والمصادر: . دوك: خُذ. اليِراب: الجِراب: وعاء مصنوع من سعف النخيل يُحفظ فيه التّمر، 1 عبد الله حمدان بن دلموك، المتوصف: أمثال وحكم من الإمارات، مركزحمدان بن . 281 م، ص 2014 محمد لإحياء التراث، دبي، . علي عبد القادرالحمادي، قصص الأمثال الإماراتية، دارالبراق لثقافة الأطفال، 2 . 19 م، ص 2016 بغداد، . 22 . يهالها: أي أطفالها، المرجع السابق نفسه، ص 3

ونختم بالمثل الذي يقول: (الحوار مَا تَضِرَه دُوسَة أُمَّه)، وتقول قصته: «كانَت ودِيمَة تُحِب ابنها «ضاعناً» حُبّا جَمّاً، وكانَت تَقول لِجاراتها: أُحِبُّه مِثْل ما تُحِب الأَرْض المَطَرَ، أُحِبُّه كما تُحِب النَّاقَة صَغَيْرَها الحوار. وكان ابنُها ضَاعَن ظريفا طَيِّبا ونَبيهاً، لكنَّه كان كَثِير الحَرَكَةِ، مُشاغبا فِي بَعْض الأَحْيانِ، ويَسْتَمْتِع بَعَمَل المَقَالِب الطَّرِيفَة للنَّاسِ. نَبَّهَت وديمة ابْنَهَا مِرارا وتَكْرارا إلى ضَرورَة عَدَم إِزْعَاج الْآْخَرِينَ، لَكِن النُّصْح لم يَأْت بِنَتيجة، ولمَّا كَثرَت شَكاوَى الجِيْران لم تَجِد وَسَيْلَة أُخْرَى للتأديب والتَّهْذِيب سِوَى أَن تَضْرِبَهُ. هَب ضَاعن إلى أَبِيْه بَاكيا مُشْتَكَيا على أمِه أنَّها لا تُحِبُّهُ، ابْتَسَمَت

. 26 . المرجع السابق نفسه، ص 4 . 27 . المرجع السابق نفسه، ص 5 . 28 . المرجع السابق نفسه، ص 6

75

74

2023 أكتوبر 288 / العدد

قراءة في كتاب: قصص الأمثال الشعبية الإماراتية

Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online