مجلة تُراث عدد 288 - أكتوبر 2023

الحكاية الشعبية ..حاملة قيم الشعوب وتراثها

تستمد خصوصيتها من البيئة والقيم السائدة الأمثال الشعبية.. نبض الوجدان وعصارة الحكمة..

في الإنسان الإماراتي من حيث القيم ومواجهة الحياة، مثل ربطه مقدمة السفينة ومؤخرتها، فلكل بداية نهاية «اللي ما له صدرما له تفر»، وكذلك مثل «عليك بأوله يا شوله، أفلح من باع أول الموسم» وهو تمجيد للمهارة والذكاء فيما يتعلق بتجارة اللؤلؤ، حيث تجب السرعة في بيع اللؤلؤ وتجنّب التأخيروالتردد، بمعنى بيع اللؤلؤبمجرد الوصول إلى البر. ونظرا لخطورة عملية الغوص التي امتهنها الأقدمون نجد المثل «اللي ما يقيس قبل لا يغوص ما ينفعه الغوص عقب الغرق». كتلة متجانسة اعتبرالباحث في التراث الشعبي، عبد الجليل السعد أن «المثل الشعبي وقع في مأزق التنوع والتقارب ما بين الدول والمناطق والبيئات والتأثيرات الخارجية، إضافة إلى تنوع الثقافات في البلد الواحد، إذ إن المثل الواحد في البلد الواحد يقال بأكثر من طريقة ولهجة، يختلف باختلاف الصور والمفردات، ما يُعد دلالة صحية ولغوية على صحة المثل وإمكانية انتشاره، وتعدد مداه بين شرائح المجتمع الواحد». ومن ناحيتنا فإن ما ورد على لسان الباحث عبد الجليل السعد، لا ينطبق تماما على المجتمع الإماراتي، بل رؤيته تصلح لبلد متعدد القوميات أو الأعراق أو الإثنيات، أو في بلد كثيفة السكان ومترامية الأطراف والمناطق والمحافظات ومتعدد اللهجات، وهوما لاينطبق على مجتمع دولة الإمارات العربية المتحدة الذي يعتبر كتلة صغيرة متجانسة في

التجربة والعيش وتناغم البيئة مع سكانها، وهوما يعني أن المثل الشعبي الإماراتي موحّد الصياغة والمحتوى. وقد يتشابه معنى المثل في عدد من الدول، لكن تبقى الألفاظ هي المحك الوحيد المعبر عن خصوصية هذا البلد أو ذاك، منها أمثال شعبية مشهورة في الإمارات «اللي يطلب العالي يصبر على الراش» وهو ما يعني النصيحة بالمثابرة والقناعة والاكتفاء بالرزق المقسوم والرضا بالنصيب. وتعد الأمثال الشعبية الإماراتية تراثا أصيلا يخاطب الوجدان ويلهم العقل في اتخاذ المواقف والممارسات التي تتوافق مع قيم وعادات الدولة. وفي هذا يقول الباحث التراثي محمد خميس النقبي: «الأمثال الشعبية مهدت الطريق نحوالتطور والرقي، وكثيرمنها يحمل روح الحداثة والتطور»، منها مثل «اخلف دك ولا اخلف لك» والـ «دك» يعني البناء، وهودعوة صريحة للاستثمارفي العقاربدلا من الادخارالنقدي. تبقى مسألة أخيرة، وهي أن التطور التكنولوجي والحضاري والعمراني والتقني رغم ما له من تأثيرات إيجابية على حياتنا، إلا أن بمقدوره أن يسرق ذاكرتنا ويشوِّه شخصيتنا ما لم نحصّنه بروافد إعلامية وتعليمية تضع الأمثال والحكايات الشعبية ضمن الذاكرة الجمعية للمجتمع، خاصة أن هذه الأمثال ليست مجرد فلكلور بل هي قيم أصيلة ومنظومة أخلاقية لكيفية إدارة حياة أجيالنا، وهو أشد ما نحتاج إليه في هذا الوقت التي يختلط فيه الأصيل مع المزيف كاتب من مصر

داره قل مقداره». ورغم أن معظم الأمثال الشعبية الإماراتية لم نتعرف إلى السياقات أوالمواقف أوالأحداث التي أفرزتها وسرت على ألسنة الأجداد، لكن توجد بعض الحكايات التي تكشف عن مرجعية بعض الأمثال، نذكرمنها على سبيل المثال لا الحصر، حيث يحكى أن بدوية كانت تعيش مع عائلتها، وفي أحد الأيام كانت تغزل فأخبرت والديها بأنها سوف تدخرمالا من ربح بيع الصوف لكي تشتري به بكرة «أنثى الجمل» وأنها سوف تعمل على عرضها بعد أن تتم سن الزواج لأحد مشاهيرالإبل، وأنه عندما تلد الناقة ستعهد لأحد ولديها تربية المولود. وما إن أنهت حديثها حتى نشب صراع بين ولديها على من سيكون على تربية المولود ورعايته، واشتعل الصراع حتى قتل أحدهما الآخر. فأصبحت القصة عظة وعبرة عن أن التأني والتدبر خير من التعجُّل، فهذه الفتاة كانت تحتاج خمسة عشرعاما كي تحقق حلمها، فلم العجلة؟ فاشتهر مثل «البكرة ما يت والعيال تذبّحوا على عيالها». وبنظرة سريعة لهذه الحكاية نجد توافر المفردات البدوية أو الصحراوية في محتواها، وهوما يعكس التجسيد الصادق والانعكاس الحقيقي للبيئة التي أنتجت المثل، لذلك فالأمثال الشعبية الإماراتية تمتاز بخصوصية في اللغة واللهجة، حيث قد نصادف معنى المثل في بعض الثقافات الخليجية غيرالإماراتية أو العربية، إلا أنه يأخذ مجراه اللغوي المنبثق من الحياة المحلية. البيئة البحرية ونظرا لوجود الإمارات في نطاق المياه الدافئة للخليج العربي، فإن البيئة البحرية تحتل مساحة كبيرة من ذاكرة الأجداد بل وملمح رئيؠسي من الحاضر. فقد كان البحر مصدر لقمة العيش وأحد مصادرالدخل في المجتمع الإماراتي، وله دور مهم على المستوى الاقتصادي والثقافي والاجتماعي والتجاري، بل وفي تكوين شخصية المواطن. فالظروف حين تعانده ويشعربالعجزتجاهها نجد أن ذلك ينعكس في مثل شعبي بحري يقول «إذا كان هواك من الصدركيف تعلي».. والصدرهومقدمة المركب، وتعلي يعني تندفع نحوالأمام، وهوما يعني أن الأحوال الصعبة لوتكالبت على الإنسان تمنعه من تحقيق ما يريد. والحياة البحرية مكوّن رئيؠسي

مجدي أبوزيد قد تكون الأمثال والحكاية الشعبية أفضل ما ينطبق عليها صفة «الخُلاصة» أو «العُصَارة»، ذلك أنها خليط من الكلام الشفاهي لعدد غيرمحدود أو معدود من الناس أو المتحدثين بها. وإذا كانت بعض الدراسات أو الحكايات المنقولة عبر الأجيال بمقدورها أن تخبرنا عن الحوادث أو المواقف التي أفرزت هذا المثل أوذاك، فإن سوادها الأعظم ما زال مجهول السبب وإن كان معلوم البيئة. لكن عبقرية الأمثال الشعبية أنها تعكس بجدارة ثقافة شعب وعاداته وتقاليده وقيمه، والمجتمع الإماراتي يزخربالكثيرالكثيرمن هذه الأمثال، خاصة أن البيئة الصحراوية أو البدوية التي نشأت في ربوعها دولة الإمارات العربية المتحدة تسمح بسطوع الحكمة الموجزة في كلمات محدودة غاية في الثراء والغنى، والتي تعبّـرعن قيمة حياتية أصيلة تواكب المنظومة الأخلاقية والاجتماعية التي تتصف بها هذه البيئة. ورغم التطور العمراني والحضاري والعصري الذي تعيشه دولة الإمارات فإن الطبيعة البدوية ذات البُعد الأخلاقي لم تفارقها لحظة واحدة، حيث يتسم المجتمع المحلي بخليط عبقري من متطلبات الحاضر والتمدن وموروثات الماعضي الأصيل، وهوالأساس الذي ارتكز عليه تأسيس الدولة على يد شيخنا الجليل الراحل - طيّب الله ثراه - زايد بن سلطان آل نهيان. منظومة أخلاقية الأمثال الشعبية تعكس المنظومة الأخلاقية التي كانت تسم حياة الأولين، منها على سبيل المثال: «الزبيبة ما تشبع لكنها تطيّب الخاطر»، وهو مثل يجسّد نزعة تطييب الخواطر التي يتصف بها مجتمع الإمارات، وهو المجتمع نفسه الذي يدعو إلى عدم مجالسة ذوي الطباع السيئة «السمكة الخايسة تخيس السمك كله». وارتباط الشعب الإماراتي بأرضه مشهود عليه، حيث استطاع تحويل بيئته الصحراوية إلى جنة أرضية عامرة بكل ملامح الازدهاروالإشراق وهوما يؤكده المثل السائر «من خازعن

79

78

2023 أكتوبر 288 / العدد

الأمثال الشعبية.. نبض الوجدان وعصارة الحكمة..

Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online