مجلة تُراث عدد 288 - أكتوبر 2023

ارتياد الآفاق

الصور في الكتاب يضم الكتاب عددا كبيرا من الصور النادرة والتفصيلية عن نمط الحياة ومفرداتها اليومية، حتى إن القارئ سيجد صورة على شكل إعلانات للمشروبات المبردة من إنتاج معمل نعوم الخوري بيروت، وصورة لبدوية تحمل طفلها وعلى رأسها فخارة، وقبر السيدة فاطمة، والقلعة البيضاء، وجِمال تنقل الصوف، ونقل الجرحى بعد المعارك على الجِمال، وخيام قبيلة الجبور، والهوادج، وأميريذبح الجديان، وقبرالسيدة زبيدة زوجة هارون الرشيد في بغداد، والنواعيرفي حماة، ومجلس الشيوخ في القبائل، وإعلان عن عرق توفيق رزوق، وتخت الآلاتية (الموسيقيين) في نصيبين، وبيت في آشور، وأمير اليزيدية وفرسانها، وإعلان عن أوتيل فكتوريا في حوش الصنوبرفي عين زحلة في لبنان، ورقص بالسيوف في شمر، وبوابة أشتار، كما سيجد قارئ الكتاب ومتابع الرحلة صورا خاصة لصاحب الرحلة ولعائلته في مظهراستقباله عند عودته، وجِمال العرب تشرب من نبع تدمر، وحرس العماريات.. والمزيد. نهاية الرحلة انتهت هذه الرحلة بوداع الحايك رفيقه الرو؟سي في بيروت مساء يوليه حيث غادرباسيليوس من ميناء بيروت، على متن إحدى 19 البواخرالمتجهة إلى أوروبا قبيل اندلاع الحرب العالمية الأولى. وفي م، وصل إسكندرالحايك إلى مسقط رأسه، 1914 تموز عام 20 قرية «بيت شباب»، والتقى بعائلته، ثم بعد ذلك قام بتحرير مذكرات الرحلة ويومياته، ثم قرر نشرها بعد عشرين عاما باحث في أدب الرحلات

مأدبة الشيخ محمد وما كدنا نلج الخيام حتى نهض رجال القبيلة واقفين مرحبين بنا واقتادونا إلى (بيت الاستقبال) وهوعبارة عن خيمة كبيرة من شعر الماعزالأسود قائمة على أربعة أعمدة مفروشة بالسجاد العجمي الفاخر. ودعانا الشيخ محمد إلى الجلوس فجلسنا معا على مقعد يعلو عن الأرض نحوا من نصف ذراع والمقعد عندهم مؤلف من عدد من السجاد توضع السجادة فوق الأخرى إلى أن يحصل الارتفاع الذي ذكرنا. ولا يستعملون المقاعد الخشبية لأنهم يرون فيها تعطيلا لحركتهم وسرعتهم إلى جوارالعناء حين يرومون التنقل وما كدنا نجلس حتى رن في آذاننا صدى طرق موقع توقيع الأنغام الموسيقية. فسألنا ما هذا؟ فقيل لنا: طرق أجران البن وإذا شئتم تفضلوا وانظروا. خرجنا من الخيمة وقصدنا إلى بيت الطبيخ كما يسميه أولئك العربان وكان على مسافة بضعة أمتار وشاهدنا خمسة عشر رجلا يدقون البن في خمسة عشر جرناً. وكانت الأجران ومدقتها من الخشب الجيد ووجدنا في كل جرن كمية زهيدة من البن ويوزعون البن على الأجران العديدة للسرعة في العمل. وقد اعتادوا أن يحضروا البن عندما يرومون شرب القهوة تركنا بيت الطبيخ ودخلنا خيمة مجاورة فإذا هناك عشر بدويات يدققن ويرقصن حول الأجران رقصا موقعا على الدق، ثم دعينا لتناول الطعام فأدخلونا خيمة تعرف عندهم بيت الأكل وهي قائمة على أربعة أعمدة وقد فرشت أرضها بالسجاد فجلسنا بشكل الحلقة وقدم لنا العبيد الطعام على الصورة الآتية: . صينية من النحاس مملوءة من لحم الغنم وقد جعلوه قطعا 1 كبيرة. ووضعوا فوق اللحم أربعة رؤوس غنم كاملة وفيرمقطعة. وكان يحمل الصينية أربعة عبيد ومعهم عبد خامس يحمل طاولة صغيرة من الشعرالمجدول وضعها تحت الصينية التي أصبحت على علوعشرة سنتيمترات عن الأرض في وسط الخيمة. ثلاث طاولات صغيرة وضعت على مقربة من الصينية الكبيرة 2- ليتمكن الجميع من تناول الطعام من دون إزعاج. ثلاث صينيات صغيرة مملوءة سمنا وضعت على الطاولات 3- المذكورة آنفاً. - طاولة كبيرة وضعت في الوسط وعليها صحن كبيرجدا مملوء 4 أرزا أعدوه على شكل هرمي. - قدور عديدة مملوءة لبنا يشبه الجبن وخبزا محمصا على 5 حرارة الشمس. أما الحضور فكانوا أربعة عشررجلاً: شيخ القبيلة وثلاثة من أبناء

الشيخ وقال أحمد الله تفضلوا فنهضنا معه جميعا وسرنا إلى بيت الاستقبال فرأينا عبدا جالسا في وسط البيت وأمامه نار شكلها لفت نظري لأنها تختلف عن المعتاد. فسألت الشيخ: ما هذه النار ومن أي ءشيء تتولد؟ قال: من بعرالجمال لأن القهوة لاتكون طيبة على نار قوية فبعر الجمال ناره خفيفة وأمام النار ثلاثة أباريق نحاسية فيها جميعها ماء يغلي فبعدما جلسنا وضع العبد البن في أول إبريق ثم وضعه فوق النارخمس دقائق في أثنائها فرغ المياه من الإبريقين الآخرين في إبريق كبير أتى به أحد العبيد ووضعه قرب النار، ثم بعد خمس دقائق فرغ الإبريق الذي فيه البن في الإبريق الثاني ووضعه فوق النارأيضا نحو خمس دقائق ثم فرغ في الثالث ووضعه فوق النارنحو خمس دقائق ثم وقف وحمله بيده اليمين وحمل بيده الشمال الفناجين فوق بعضها بعضا وكان يضع في كل فنجان مقدارجرعة واحدة من القهوة فيقدمه لواحد من الجالسين حتى أخذوا كلهم ثم استأنف عملية غلي القهوة في إبريق آخر وسقانا مرة ثانية ثم مرة ثالثة هذه طريقة عمل القهوة عند العرب أو (القهوة العربية) تؤخذ ثلاث جرعات ولكنها لذيذة ومسكرة في آن واحد. أيار: رائحة البترول! 13 نهضنا باكرا جدا عند الساعة الثانية بعد منتصف الليل وركبنا قاصدين إلى (تل كابرا) حيث الآبار البترولية الكثيرة. ونصبنا الخيام على مسافة بعيدة من تلك الآثار هربا من تلك الرائحة التي تبعث منها ليل نهاروبعد الغذاء ذهبنا نتفقد الآبارالمذكورة فصمت آذاننا من قوة غليان البترول وكان عجيجه يتصاعد إلينا من جوف الأرض، وبتنا ليلتنا في كايارا وكان الحرشديدا للغاية.

الشيخ اسكندريوسف الحايك «صاحب الرحلة»

عمه وثمانية من أركان قبيلته وأنا ورفيقي السائح. أشار إلينا الشيخ أن نتناول الأكل في مقدمة الجميع فأجبته شاكرا قائلا تفضل أولا يا مولاي فأخذ قطعة اللحم وغمسها بالسمن ولاسها. ثم تناول بيده كتلة من الأرز وطرحها في اللبن ثم انتشلها بيمناه حاملا بيسراه طاسة اللبن وقد وضعها تحت ذقنه ثم أكل كتلة الأرز بلباقة غريبة بنوع إنه لم يسقط منها حبة على عباءته توقفت ورفيقي عن الأكل ففطن الشيخ إنه لا يسعنا أن نعمل عمله. فأمر إذ ذاك أحد العبيد أن يأتينا بطبقين نظيفين وشوكتين وملعقتين وسكينتين، فقلت له وهل عندكم يا مولاي من هذه الأدوات؟ قال: نعم، على إننا لا نستخدمها، وقد خصصناها بالضيوف الذين لم يتعودوا تناول الطعام على شاكلتنا وسألت الشيخ قائلاً: ما رأيت أحدا مد يده إلى ءشيء من هذه الرؤوس الأربعة الموضوعة فوق اللحم فما معنى وجودها فوق الطعام على الحالة هذه؟ قال: هي عادة القبائل في كل البادية ويقصد منها احترام الضيف وإكرامه، إننا نقدم أربعة رؤوس إكراما لضيف نحسبه من ذوي الطبقة العليا وثلاثة لذوي الطبقة الثانية واثنين لذوي الطبقة الثالثة ونقدم رأسا واحدا للضيوف العاديين الذين يؤمونا لحاجة كتجار السمن والصوف كما إننا نقدمه لأمراء القبائل المجاورة التي تربطنا بها علائق الصداقة والإخاء. ولما انتهينا من الأكل نهض

حرس العماريات - ثلاثة فرسان من الحسنة من المنابهة عنزة

91

90

2023 أكتوبر 288 / العدد

م» 1914 إسكندر يوسف الحايك «رحلة في البادية

Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online