سينما
بعد اضطراره إلى بيع الاستديو الذي امتلكه. لكن بول يؤكد له أن «السينما ستبقى إلى الأبد». يعرض عليه بروكوش إعادة كتابة الفيلم المأخوذ عن الأوديسة والذي يخرجه بالفعل فريتز لانج ـ هويجسد شخصيته الحقيقية هنا كأحد أعلام السينما الألمانيةـ لأن ما تم تصويره لم ينل إعجابه. وعقب ذلك يجتمعون معا في غرفة العرض السينمائي لمشاهدة الفيلم: بروكوش، الأمريكي المتطفل على أوروبا، بين بول الفرنؠسي ولانج الألماني والمترجمة جورجيا مول الإيطالية. يمثل بروكوش ما يعنيه المنتج الرأسمالي بالنسبة لجوداربشكل كاريكاتوري، فهويبحث عن استثمار ناجح لأمواله، فهولا يطمئن لكلمة ثقافة التي تجعله «يتحسس دفترشيكاته»، ومع ذلك يختار ملحمة مؤسسة في الثقافة الغربية لينتجها، يعبر عن رغباته بفجاجة ويستعمل المحيطين به ـ يجعل المترجمة تنحني أمامه ليكتب شيكا على ظهرها ـ متوقعا منهم الامتنان، يحمل كتيبا مملوءا باقتباسات صالحة للترديد ليخفي ضحالته بين الفنانين الذين يتعامل معهم. الرأسمالي ليس أقل من وريث النازية كما يراه جودار، لا يُخضِع من يريد بالسلاح ولكن بحاجته إلى المال وامتلاك الأشياء، كالشقة التي يقيم فيها الزوجان والستائر التي تريد كاميل شراءها. حين يشاهدون الفيلم المغضوب عليه، الذي يقدمه لانج بوصفه «عن الفرد ضد الظروف، صراع البشرمع الآلهة»، يستاء بروكوش لغياب القدرالكافي من العنف والجنس في المشاهد المتعاقبة، وبينما تتوالى تماثيل الآلهة على الشاشة يتمتم: «الآلهة.. أحبهم جداً، أعرف بم يشعرون بالضبط».
يبدو فيها متسيدا ومنتصراً، وسنرى التمثال ذاته مرة أخرى عند اجتماعهم تحت مظلة بروكوش. أمعن بول في الانحدار حين وصل بيت بروكوش متأخرا ساعة كاملة، بدأت زوجته في تجاهل مبرراته وإظهارغضبها، فيما تعامل معه جيري بلا مبالاة، ودعاهما لصحبته إلى جزيرة كابري التي يجري فيها التصوير. جزيرة كابري كما يُفترض هي موطن عرائس البحر في الأوديسة، هناك سنشهد فصلا جديدا من الملحمة إذن. لن نعرف أبدا إن كان جيري قد غازل كاميل في الوقت الذي انفرد بها خلاله، ولا نشعرأن هذا ما يهم حقاً، خاصة في النصف ساعة التي يستغرقها حواربول وكاميل عن الموضوع في شقتهما لاحقاً. هناك بعد استحمامه يلف بول نفسه في دثارأبيض طويل على غرار الزي اليوناني القديم، أوديسيوس عصري، يعتقد أن بنيلوبي لم تعد تحبه، فهل كان يدفعها إلى بروكوش ليعجل بقدر محتوم ويواجه أسوأ توقعاته؟ مباراة حوارية طويلة يحاول بول خلالها أن ينتزع منها اعترافا بالغضب وتجابهه بكبرياء ساخر، نرى تتابعا للقطات من الماعضي والمستقبل مع تعليق صوتي منهما معاً؛ هومصرحا بخوف قديم مستقرمن هجرها له، وهي متحسرة على ما كان بينهما، عازمة على الانتقام منه بصمتها. موسيقى جورج ديلروي الساحرة الباعثة على الشجن بيئة مثالية للمأساة التي تتطور حثيثا بشكل قدري، وزرقة البحرالأدرياتيكي في كابري خلفية رائعة. في نقاشه مع فريتز لانج عن الأوديسة يطرح بول فكرة جديدة كلياً، فأوديسيوس دفع زوجته إلى قبول هدايا خاطبيها لأنه وثق في حبها، أي إنه أراد الكسب على جميع الصُّعُد. لكنه ما إن فعل حتى
فقد ذلك الحب، لهذا قتل المتقدمين إليها، ليستعيد حبها. كيف كان يأمل في استعادتها إذن وقد وافق لتوه على تركها بصحبة بروكوش على الجزيرة؟ لقد تعمدت أن تجعله يراها بين ذراعي الأمريكي، لكنها في الوقت نفسه أفرغت مسدسه من رصاصاته لتمنعه من رد فعل أحمق لن يجعلها تحبه ثانية على أي حال. يدافع بول عن نفسه قرب النهاية بأنه وافق على كتابة السيناريو لأجل المال فقط، ثم يلقي اللوم على المال الذي صاريتحكم في كل ءشيء، كأنه معدوم الإرادة ولا يملك رأيا في أولوياته الخاصة! «في هذا العالم عليك القيام بما يريده الآخرون، لماذا المال بهذه الأهمية؟ يحدد ما تفعل ومن تكون». هي صحوة غيرأصيلة أيضاً، دفعه إليها الأمل في استعادة احترام زوجته المفقود بلا طائل. بدا لوهلة أن إله المال هو من فاز في هذه الأوديسة، إذ ترحل كاميل معه إلى روما، تاركة رسالة وداع لبول، لكن حادث سيارة عشوائي يقتلهما في الطريق، هذا إله يمكن قتله كما يتمنى جودار. الفن وحده يستمرعلى أي حال، فعلى جزيرة كابري يصعد بول درجات لا نهائية كأنه يصعد إلى الأكروبوليس، ليصل إلى موقع تصويرالمشهد الأخيرمن فيلم فريتزلانج مع ظهور جوداركمساعد له؛ مشهد عودة أوديسيوس إلى وطنه إيثاكا، كما سيعود بول إلى الكتابة للمسرح. ومثلما افتتح الفيلم ينتهي، بصمت صارم من الجميع، وكاميرا السينما تتحرك أمامنا وتسجل وتصور العالم المنسجم مع رغباتنا، كما قال بازان وأراد لانج، وكما ستفعل دائما * كاتبة وإعلامية مصرية
هذا ما يقوله صادقاً، عاكسا ذاته المتضخمة وشعورا سافرا بالتفوق، ليجيبه لانج بهدوء: جيري.. لا تنس أن البشر هم من خلقوا الآلهة. ورغم تأكد لانج من عدم استيعاب بروكوش لمعنى الأوديسة فإن الأخيرلا يتردد في إعلان نظريته الخاصة عنها؛ التي تتلخص ببساطة في خيانة بنيلوبي لأوديسيوس، عكس المعروف عن الملحمة. تأتي كاميل لاصطحاب بول من الاستديو، وبينما تجري إليه يقطع بروكوش الطريق بينهما بسيارته الحمراء المكشوفة، ولا يستغرق
الأمر سوى دقائق قبل أن يدعوها لتناول كأس بصحبته! تظن هي أنها مدعوة إلى بيته بصحبة زوجها وتفضل أن تنتظره لتستقل معه سيارة أجرة، إلا أن اللحظة التالية التي يدفعها فيها بول إلى سيارة بروكوش، فاتحا لها الباب بتعجل، مطمئنا إياها أنه سيلحق بها سريعاً، كانت بداية النهاية، والسقوط الذي يستحيل إيقافه على منحدر زلق. كان ليدرك ذلك من ارتباكها ونظرة عدم تصديقها لما يفعل، لو أنه اهتم أن يتطلع إلى وجهها بقدر اهتمامه بالشيك الذي استلمه لتوه من ولي نعمته الجديد. عقب انطلاق بروكوش وكاميل بالسيارة نرى لقطة لتمثال بوسيدون
111
110
2023 أغسطس 286 / العدد
«احتقار».. بين أوديسيوس الفرنسي وبوسيدون الأمريكي
Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online