مجلة تُراث عدد 286 - أغسطس 2023

جُلَساء التراث

ْقراءة في كتاب «مشهد العلاف» «روسينانت.. الحب السَّامِي».. طرح جديد للحوار بين حضارتي ْن

أكاديميا عن الحب، وإنما أردت منه أن يكون عملا أدبيا يهب نفسه للقارئ بطريقة سهلة ومشوّقة في موضوع هو في أمس ما تكون الإنسانية بحاجة إليه اليوم، ألا وهو موضوع الحوار ، غير أن الكاتب في ) 7 ( الحضاري والتعايش بين الثقافات والأمم» سعيه إلى الدفع نحوالحواريعمل لأجل أن يكون شارحا لذلك من خلال لفْت نظرالقارئ إلى الآتي: أولا - وُجود حوارحضاري على مستوى اللُّغة العربية نفسها. ثانيا - التَّعرف على القرآن الكريم، والأدب العربي. ثالثا - التَّعرُّف على المشاعرالإنسانية. رابعا - التَّعرف على احترام الثقافة العربية والإسلامية للمرأة، والتفنن في التغزل بها، وأجواء مشاعرالحب والغرام. والتعرف على تلك المسائل جميعها يراه الكاتب من زاوية تأثير الحضارة العربية الإسلامية، وخصوصا حضارة أهل الأندلس في إسبانيا، على أوروبا حتى منتصف القرن التاسع عشرالميلادي. • «حامد الأيلي».. «والمعذبون الأبرياء» يتكون الكتاب من ثمانية فصول، تحدثت جميعها عن الحب من منظورين، الأول علائقي - إنساني، والثاني: معرفي - حضاري، استحضر الكاتب، عبرهما، شواهد تاريخية مسجّلة من مراجع دالة، وقد أطال في فصول، وجعل أخرى منها قصيرة، وربما يرجع

ذلك لأهمية كل قصة سواء في بُعدها الإنساني، أوطريقة سردها، أوما حملته من معلومات، أجمعت عليها مصادرعدة. في الفصل الأول «سرفانتس وفروسية العرب.. دون كيخوته، وسيدي حامد المغربي» قدّم الكاتب نوعا من السرد للرواية ، وأصحبها ) 8 ( الأعظم شهرة في العالم، وهي رواية «دون كيخوته» بتحليل منطقي للنص الروائي مباشرة، مع مقارنة النصوص والفصول داخل الرواية بعضها مع بعض، وانتهى إلى استنتاجات، مثَّلت، على حد قوله، آراءه الشخصية، بعد الدراسة التحليلية الدقيقة للبنْية الداخلية للرواية، مقارنا إياها بثقافة العصرالتي مؤلف الرواية. ) 9 ( عاش فيها «سرفانتس» لقد وقف الكاتب طويلا أمام المؤلف الحقيقي، الذي جاء ذكره عند ترجمة أحد الموريسكيين النص الأصلي من الرواية من اللغة العربية إلى القشتالية، حيث جاءت ترجمة عنوانها كما يلي: «تاريخ دون كيخوته دلا منتشا تأليف سيدي حامد بن الأيلي، المؤرخ ، والقول بأن الرواية من تأليف هذا الكاتب العربي، أو ) 10 ( العربي» على الأقل اشترك فيها، بدأ منذ أن نقلها إلى العربية الدكتور عبد الرحمن بدوي وإلى اليوم، ويرتبط ذلك بالبحث المتواصل عن . ) 11 ( تأثيرالحضارة العربية في المنجزالفكري الغربي وبغض النظر عن المؤلف الحقيقي لرواية دون كيخوته، فإن الذي يهمنا هنا، هوالحديث عن قيم الفروسية التي شكّلت معطى

خالد عمر بن ققه يشكل البحث عن دفء المشاعرحالة إنسانية عامة في عصرنا على المستوى الثنائي بين الأفراد والجماعات والأمم، ويأتي ذلك من شعور عام بفقد مشاعرالحب، والرغبة الصادقة في «التّعرُّف» على الآخر، بما قد يحمله «التَّعارف» في وقت لاحق من اتفاق أواختلاف، وكذلك من خوف - مبرر ومشروع - من حلول جفاف وقحط في العلاقات المشتركة، ربما ينتهي بنا إلى رفض التعايش بين الثقافات والأمم، وما يتبع ذلك من عنف في الخطاب وفي الفعل. غيرأن تلك الحالة، التي تحاول إنهاء التراجع الحضاري، وإيقاف الحرب على القيم الإنسانية المشتركة، تمثل بحثا متواصلا وسعيْا من بعض الفاعلين في مجالات الفكر والثقافة والتراث والتاريخ، في محاولة منهم لدفع المشاعرنحوالتدفق من جديد، وما يصحبها من معرفة جادَّة للآخر، اعتمادا على المراجعة التاريخية لعلاقات مُدّت من خلالها ممرات، حتى في فترة أزمنة الحروب، والصراع، والتغيرات الكبرى. والسعي لمد جسور المحبة، لا يمكن تحقيقه إلا إذا تركزاهتمام أصحابه عن معرفة مُؤَسَّسَة سواء لحاضرالعلاقات بين الثقافات والأمم في الوقت الراهن، أوتلك التي يودّون حصولها في المستقبل القريب، بحيث يغدو الحوار فعلا مقبولاً، وخطابا حسَنا يحقق ، ) 1 ( نوعا من المشاركة القائمة على قاعدة «الإذن والتحقق» الأمر الذي يجعله امتحانا عسيرا لا يفوز فيه إلا أولئك الذي جعلوا منه اختيارا واعيا وحضارياً. من هذا المنطلق، يمكن لنا ، الذي حمل عنوان ) 2 ( النظرإلى كتاب الدكتور «مشهد العلاف» على أنه إحياء لتراث المشاعر ) 3 ( «روسينانت الحب السَّامي» الإنسانية من خلال سرد قصة حب كبيرة ظلت طي الكتمان لعصور، ألفت بين أدباء أوروبا ومفكريها من جهة، وآداب العرب من جهة ثانية، وامتدت منذ عصر الأندلس حتى القرن التاسع عشر الميلادي، وتجلَّت في تأثر الأوروبيين البالغ بالأدب العربي واللغة العربية، وأخلاق العرب، بما في ذلك احترامهم للمرأة.

• حصان «دون كيخوته» قصة الحب تلك، كانت نتاج عاملين، الأول: الحضارة الإسلامية في الأندلس، والثاني الجوار الجغرافي مع أوروبا، وتأثرت بالمناخ العام السائد في فترتي الازدهار والانهيار، وفي الفترتين ظلت مشاعرالحب متبادلة إن لم تكن على المستوى الجماعي، فعلى المستوى الثنائي، وإن خانها بُعدها الإنساني فقد حافظ عليها الجانب الحضاري والفكري، وإن خذلها حاضر العلاقة المتأزم في ذلك الوقت وغيّبها، فقد أحضرها الماعضي المعرفي، المنقذ للعلاقة وتدفق المشاعر، بعفوية أوبحذر، من النهاية المؤلمة. يركز المؤلف، بوعي، على التراث المعرفي الجامع للقيم المشتركة، الذي يتخطى أو يتغافل عن أزمنة الصراع والعداوة، ويعمل على عودة نشأة علاقة الحب، حتى لوكانت خاصة بسكان الأندلس، لجهة تأصيل القيم، ومنها «قيم الفروسية والبطولة»، وهو ما نراه جليّا في عنوان الكتاب، حيث استحضار تلك القيم باعتباره كلمة دالة ) 4 ( بذكر«روسينانت» (حصان دون كيشوت) ، وخاصة ) 5 ( تحيلنا إلى «القيم المشتركة بين العرب والأوروبيين» الإسبان، وكذلك الأمربالنسبة إلى عبارة «الحب السَّامي»، كونهما يعبران عن رؤية خاصة في تعريف الحب من منطلق طبقي على . وبالعودة إلى الكتاب، ) 6 ( النحو، الذي تحدث عنه «كبللانوس» نجد المؤلف يحدد غرضه منه بالقول: «هذا الكتاب ليس بحثا

113

112

2023 أغسطس 286 / العدد

«روسينانت.. الحب السَّامِي».. طرح جديد للحوار بين حضارتيْن

Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online